جهينة في عصر النبوة
كانت قبيلة جهينة هي المهيمنة على الأنحاء الغربية من المدينة حتى ساحل البحر . فقد تفرقت قبائل جهينة في جبال الأشعر والأجرد , وقُدس وآره ,ورضوى , وانتشروا في أوديتها وشعابها , وسكنوا أضم وأعراضه ونزلوا ذا خُشب , وبواط , وودّان , وينبع , والحوراء , والساحل , وامتدوا في تهامة حتى لقوا بليّا , وجذام بناحية حقل , ونزلت طوائف من جهينة بذي المروة .
إسلام جهينة
دخلت قبيلة جهينة في الإسلام منذ وقت مبكر . قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه (( لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جاءته جهينة فقالوا إنك قد نزلت بن أظهرنا , فأوثق لنا حتى نأتيك وتؤمّنا , فأوثق لهم فأسلموا.))
دور قبيلة جهينة بعد الإسلام
كان قبيلة جهينة هي المسيطرة على خط القوافل التجارية لذا كان لهم دور كبير في قطع القوافل التجارية على أهل مكة
مما يؤكد موادعة وإسلام قبيلة جهينة منذ وقت مبكر –
1- إرسال الرسول صلى الله عليه وسلم لسرية حمزة بن عبد المطلب ومعه ثلاثون من المهاجرين نحو سيف البحر ليعترضوا عير قريش , وذلك في أراضي قبيلة جهينة وكانت عير قريش يقودها أبو جهل في ثلاثمائة راكب من أهل مكة , فالتقوا حتى اصطفوا للقتال , فمشى بينهم بالصلح مجدي بن عمرو الجهني , وكان حليفا للفريقين حتى انصرف القوم .
فلما رجع حمزة إلى النبي صلى الله عليه وسلم خبره بما حجز بينهم مجدي . وأنهم رأوا منه نصفه لهم ,
فلما قدم رهط مجدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم كساهم وصنع لهم خيراً .
2- إن الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل طلحة بن عبيد الله , وسعيد بن زيد يتحسسان خبر عير قريش , وذلك قبل خروج الرسول صلى لله عليه وسلم إلى بدر بعشر ليال , فنزلا على كشد الجهني بالتجبار من الحوراء – والتجبار من وراء ذي المروة على الساحل – فأجارهما وأنزلهما , ولما يزالا مقيمين عنده في خباء حتى مرت العير , فخرجا طلحة وسعيد على مكان مرتفع فنظرا إلى القوم وإلى ما تحمله العير , وجعل أهل العير يقولون : يا كشد هل رأيت أحداً من عيون محمد ؟ فقال أعوذ بالله . وأنى لعيون محمد بالتجبار .
فلما راحت العير باتا حتى أصبحا ثم خرجا , وخرج معهم كشد الجهني خفيرا , حتى أوردهما ذا المروة.
و ساحلت العير فأسرعت , وساروا الليل والنهار فرقا من الطلب ...................... وبعد ذلك قدم كشد إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاخبرا سعد وطلحة النبي صلى الله عليه وسلم إجارته إياهما , فحباه رسول الله وأكرمه , وقال : لا اقطع لك ينبع , فقال إني كبير وقد نفذ عمري , ولكن اقطعهما لابن أخي , فقطعها له .
3- قيام الرسول صلى الله عليه وسلم بغزوة بواط . يريد عير قريش ولم يجد العير فرجع إلى المدينة . وبواط تقع في أراضي جهينة , وقد كانت هذه الغزوة على رأس 13 شهرا من الهجرة .
افتخار الرسول بالقبائل المحيطة بالمدينة
ولقد اضطلعت القبال المحيطة بالمدينة بدور جهادي منذ البداية , وناصروا النبي صلى الله عليه وسلم , وكان فخورا بهم واستحقوا ثناء النبي صلى الله عليه وسلم لهم , وكان يقول صلى الله عليه وسلم ( إن اسلم وغفار ومزينة وأشجع وجهينة ومن كان من بنى كعب موالي دون الناس ورسوله مولاهم )) , وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يفتخر بأولئك الصادقين الذين ناصروا الإسلام وآزروا النبي صلى الله عليه وسلم . قال الأقرع بن حابس للنبي صلى الله عليه وسلم : إنما بايعك سُرّاق الحجيج من أسلم وغفار ومزينة وجهينة وأحسبه ...., قال النبي صلى الله عليه وسلم أرأيت إن كان أسلم وغفار ومزينة وجهينة وأحسبه خيراً من تميم وبني عامر وأسد وغطفان خابوا وخسروا قال : نعم ؟, قال : والذي نفسي بيده إنهم لخير منهم .
طباع القبائل التي تقع غرب المدينة ومنهم جهينة
لقد كانت البداوة والجلافة متأصلة في القبائل القاطنة إلى الشرق والشمال الشرقي من المدينة , وكانت الطباع تختلف وتتباين بين هذه القبائل وبين تلك في غرب المدينة , فقد اثّر التعامل مع الأغنام , في طباع كل قبيلة , فقبائل الحجاز الأوسط , مثل جهينة , وضمرة , وأسلم , وغفار , وبكر , وخزاعة , وقريش تقوم بتربية ورعي الأغنام أكثر من الإبل , وقد أدى ذلك إلى لطافة طباعهم , ورقة مشاعرهم ,ولذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم ( ما من نبي إلا ورعى الغنم . قالوا : وأنت يا رسول الله ! قال : نعم , كنت أرعاها على قراريط في جبال مكة )
أما القبائل الشرقية من المدينة , فيغلب عليها رعي الإبل . وهي بشموخها , وقوتها , وكبريائها , تصبغ من يتعامل معها بصفاتها , قال النبي صلى الله عليه وسلم " الفخر والخيلاء في أصحاب الإبل , والسكينة والوقار في أصحاب الشّاة "
ولقد عانى صلى الله عليه وسلم مع هذه القبائل الشرقية . أكثر مما عاناه مع غيرها من القبائل الأخرى , وكان الجفاء والقسوة واضحين في سلوك أفرادها .
فقال صلى الله عليه وسلم بعد أن عانى الكثير معهم : "غلظ القلوب والجفاء في المشرق , والإيمان في أهل الحجاز "
وقال أيضاً " اسلم وغفار ومزينة وجهينة , خير من بني تميم , ومن بني عامر, والحليفين بني أسد وغطفان"
منازل قبيلة جهينة بعد هجرتها للمدينة
نزلت جهينة وبلي في خطة واحدة إلى يماني ثنّية عثعث وحتى مسجد الفتح غربي سلع , وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد خط لهم مسجداً .
قال العباس : روى الزبير بسنده عن خارجة بن الحارث بن رافع بن مكيث الجهني عن أبيه عن جده قال : جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود رجلا من أصحابه من جهينة من بني الربعة يقال له أبو مريم , فعاده بين منزل بني قيس العطار الذي فيه الأراكة وبين منزلهم الأخر الذي يلي دار الأنصار فصلى في المنزل : فقال : نفر من جهينة لأبي مريم : لو لحقت رسول الله صلى لله عليه وسلم فسألته أن يخط لنا مسجداّ فقال احملوني إليه , فحملوه فلحق النبي صلى الله عليه وسلم فقال : مالك يا أبا مريم : فقال يا رسول الله لو خططت لقومي مسجداً قال : فجاء النبي صلى الله عليه وسلم مسجد جهينة وفيه خيام لبلي فأخذ ضلعاً أو محجناً فخط لهم . وقال : المنزل لبلي والخطة لجهينة .
وهذه الناحية معروفة غربي حصن صاحب المدينة خراب . وتعرف بدرب جهينة . والناحية من داخل السور بينه وبين الحصن القديم, غير أن الداخل فيه بعضها لا كلها ,ويقع مسجدا جهينة وبلي غربي القلعة على جبل عثعث وهو شرقي جبل سلع . وهو داخل السور القديم . وخارجا من السور الموجود الآن . وبينهما رميه حجر.
ولا يخفى على من يخرج من باب الشامي رؤيتهما أذا نظر إلى جانب جبل سلع بينه وبين حصن صاحب المدينة .
المصدر: مجلة مركز وبحوث ودراسات المدينة المنورة _
د . محمد عبد الهادي الشيباني ( استاذ مساعد قسم التاريخ - الجامعة الاسلامية )