بسم الله الرحمن الرحيم
الــبر بالـوالـديـن
الدكتور. عبد الرحمن إبراهيم فودة
أستاذ الأدب المقارن بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد.
مستمعى الكرام .. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته .. وأهلاً بكم ومرحباً فى برنامجكم (قبس من نور النبوة)
أخي المستمع الكريم..
تحدثنا في لقاء سابق عن عقوق الوالدين, وكان لابد أن نتحدث عن بر الوالدين غير أننا قدمنا حديث العقوق من باب التخلية قبل التحلية, حتى نتجنب هذا الخلق الردئ والذي يبغضه الله عز وجل, وينفّر منه النبي صلى الله عليه وسلم أشد التنفير.
ولأن الأشياء بضدها تتميز, فيجدر بنا أن نتحدث عن البر وفضله...
بر الوالدين يأتي فى صلة الأرحام في الذروة, فهو من القربات التي أعدَّ الله سبحانه وتعالى لفاعلها الثواب العظيم, وهدد أولئك الذين يقطعونها بأشد العقوبات, فقال تعالى:
"فهل عسَيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالها" [محمد 24:22].
بر الوالدين أيها المستمع الكريم يعدل الجهاد في سبيل الله, وهو سبب لكشف الضر وزوال البلاء، والوالدان أوسط أبواب الجنة فإن شاء العبد أن يحفظ ذلك الباب فليبر والديه/ والبارُّ بوالديه مجابُ الدعوة في الدنيا, وهو يوم القيامة من السعداء.
إخوتي الكرام... إن أعظم حقوق الإنسان على الإنسان هي حقوق الأبوين في عنق الولد, بهذا أوصانا الله عز وجل, وخاطب فينا فطرتنا, إذ قرن الله الوصية بالإحسان إلى الوالدين بالأمر بعبادته سبحانه والنهي عن الإشراك به فقال تعالى ( وقضي ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا)]الإسراء23[
وقال (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا)[النساء 36]
وما ذاك إلا لأن الله تعالى هو المتفضِّل الأول بنعمة الوجود والتربية والحفظ ثم جعل الله تعالى الوالدين متفضلين بما جعل فيهما من قوى التوالد وعاطفة الحب والتضحية بالراحة في سبيل تربية الولد وتنميته ورعايته حتى يصير رجلاً نافعًا في الحياة.
لذلك جاءت مَرْتبة الأمر بالوفاء بحقوق الوالدين في الإحسان والبر والطاعة بعد مرتبة الأمر بالإخلاص في العبادة لله وحده تذكيرًا وإرشاداً للعباد.
عزيزي المستمع... كما جاءت الوصية بالإحسان إلى الوالدين في القرآن الكريم مقترنة بعبادة الله فقد جاءت الوصية بالإحسان إلى الوالدين مستقلة في بعض سور القرآن الكريم قال تعالى ( ووصينا الإنسان بوالديه حُسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما) [العنكبوت 8] فلا تطع والديك فيما فيه كفر بالله عز وجل أو معصية له؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق, ولكن مع هذا صاحبهما في الدنيا بالمعروف واستمر في الإحسان إليهما, والرفق بهما ورعايتهما وطاعتهما فيما لا معصية فيه لله عز وجل.
وفي سورة لقمان( ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمُّه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلىّ المصير) [لقمان 14]
وفي الأحقاف( ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا) [الأحقاف 15].
وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يرويه أبو هريرة:
جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من ؟
قال أبوك.
ومن أجلى صور البر التي ذُكرت في حديث النبي صلى الله عليه وسلم ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه, فانحدرت صخرة من الجبل فسدّت عليهم الغار فقالوا: إنه لا يُنجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم..
قال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران, وكنت لا أَغْبِق قبلهما أهلاً ولا مالاً, فنأى بي طلبُ الشجر يوماً, فلم أُرح عليهما حتى ناما فحلبتُ لهما غبوقهما, فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وأن أَغبق قبلهما أهلاً أو مالاً. فلبثت ـ والقدح على يدي ـ أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، والصبيةُ يتضاغـون عند قدمي، فاستيقظا فشربا غبوقهما.
اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة. فانفرجت شيئًا لا يستطيعون الخروج منه إلى آخر الحديث.
انظر معي أخي المستمع إلى هذا الرجل الذي عاد إلى أهله, فوجد أبويه نائِميْن, والصبية يبكون من شدة الجوع.. وإنها للحظة حرج شديد يتنازع هذا الرجل فيها بر الوالدين والرأفة بالأولاد.
ماذا يصنع؟ هل يوقظ والديه فيزعجهما؟
هل يسقي الأولاد الذين لا يَقْوون على احتمال الجوع؟
..إنه آثر الوقوف لأجل أن يستيقظ أبواه في أية لحظة فيقدمَ لهما غبوقَهما, فما استيقظا إلا بعد أن بزغ الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما.....
وانظر إليه وهو يدعو الله تعالى( إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك) فلابد إذًا من إخلاص يحرك هذا البارَّ بوالديه فيدعو الله تعالى ويتوسلُ إليه بما فعل من صالح العمل فيفرج الله كربه ومن معه ..ألا ما أجملَ البِرَّ يزينه الإخلاص لله تعالى.
ومن صور البر في تراثنا ما ذُكر عن علي بن الحسين حين قيل له: أنت من أبرّ الناس ولا نراك تؤاكل أمّك. قال: أخاف أن تسير يدى إلى ما قد سبقت عينهُا إليه فأكون قد عققتُها (1).
وقيل لعمر بن ذر كيف كان برُّ ابنك بك ؟ قال: ما مَشَيتُ نهارًا قط إلا مشى خلفى، ولا ليلاً إلا مشى أمامى، ولا يرقى لى سطحًا وأنا تحتَه (2).
وقال المأمون: لم أر أحدًا أبرّ من الفضل بن يحيى بأبيه ، بلغ من برِّه به أن (يحيى) كان لا يتوضأ إلا بماءٍ مسخَّن وهما فى السجن، فمنعهما السجّان من إدخال الحطب فى ليلة باردة، فقام الفضلُ حين أخذ (يحيى) مضجعه إلى قُمْقُم كان يُسَخَّن فيه الماء، فملأه ثم أدناه من نار المصباح، فلم يزل قائمًا وهو فى يده حتى أصبح (3).
ألا فلْيَخفض كُلُّ منا جناحيه لوالديه, رحمةً بهما, واعترافًا بفضلهما وطاعةً لأمر الله عز وجل, وإخلاصًا لهما, فهو القائل:
( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا) [الإسراء 24].
العقوق جريمة كبرى
الدكتور. عبد الرحمن إبراهيم فودة
أستاذ الأدب المقارن بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وبعد،
مستمعى الكرام .. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته .. وأهلاً بكم ومرحباً فى برنامجكم (قبس من نور النبوة) حلقةُ اليوم عن أمرٍ يُبغضه الشرعُ الحنيف، ونحن لا نتحدث عنه لأنا نحبُّه، معاذ الله، ولكن من باب :
عرفت الشر لا للشر لكن لتوقِّيهِ *** ومن لا يعرفُ الخَير من الشر يقع فيه
إنه (عقوق الوالدين) الذى كثر وانتشر، وتعددت أشكالهُ وألوانه عافانا الله وإياكم من العقوق وشره ..
وقد وردت الأحاديث الكثيرة فى النهى عن العقوق كما فى قوله صلى الله عليه وسلم الذى رواه البخارى عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبى صلى الله عليه وسلم (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثًا قلنا: بلى يا رسول الله قال : الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، و كان متكئاً فجلس فقال : ألا وقولُ الوزر، وشهادةُ الوزر، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت) وكما فى قوله صلى الله عليه وسلم (الكبائر : الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس) رواه البخارى ومسلم من حديث أبى بكرة نفيع بن الحارث رضى الله عنه.
وقوله صلى الله عليه وسلم " إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ومنعاً وهات، ووأد البنات وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال" متفق عليه من حديث المغيرة بن شعبة رضى الله عنه.
وخرج البخارى ومسلم فى الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما أن رسول الله قال : "من الكبائر شتمُ الرجلِ والديه" قالوا: يا رسول الله، وهل يشتمُ الرجلُ والديه؟ قال : "نعم ، يسبُّ أبا الرجل فيسُبُّ أباه، ويسبُّ أمَّه فيسُبُّ أمَّه".
أيها المستمع الكريم .. إن الذنوب لتتفاوتُ بحسب مفاسدها، وإن عقوق الوالدين من أعظم هذه الذنوب، إنه نكران للجميل، ونسيان لحق الوالدين، واحتقارٌ لأصالة الإنسان.
لقد أمر الله عز وجل فى كتابه سبحانه بتوحيده وعدم الإشراك به، وقرن هذا الأمر بالإحسان إلى الوالدين (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا) [النساء 36] (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا) [الإسراء 23] لقد أمر الله تعالى بالإحسان إلى الوالدين لا سيما عند الكبر، وذكّر الابن بأنهما أحسنا إليه وربياه صغيرا، فالصغرُ ضعف، وبحاجة إلى رعاية وتعهد، وقد قام الوالدان بهذا الواجب خير قيام.
والكبر ضعف، وبحاجة إلى عناية ورعاية فليقم الابنُ إذاً بالمطلوب وليحسن إلى والديه، ولا يتأفف عندهما ولا ينهرهما وإنما يقول لهما القول الكريم الطيب.
وفى هذه الأحاديث تحريمٌ للعقوق وتشديد على التنفير منه، وبيانُ حرمة سب الآباء والأمهات، أو تعريضهما للسب والإهانة، وأن الطبع السليم المستقيم يأبى أن يسب الرجلُ والديه أو أن يتسبب فى سبهما، وهى دعوة لترك السباب والشتائم خشية أن يعود السب على والدى الشاتم.
أفلا يستدعى كل هذا أن يكون المرء بارًا بأبويه، منتهياً عن عقوقهما.
إذاً فلنستمع إلى بيانٍ شافٍ يذكّرنا بحق الأبوين علينا، لا سيما الأم لعل الذين غلبت عليهم شقوتهم أن يرجعوا إلى رشدهم، ويحسنوا معاملة آبائهم وأمهاتهم، فالأم هى التى "أرضعتك من ثديها لبنا، وأطارت من أجلك وَسَنا، وغسلت بيمينها عنك الأذى، وآثرتك على نفسها بالغذا، وصيرت حَجرها لك مهدا، وأنالتك إحسانا ورفدا، فإن أصابك مرض أو شكاية، أظهرت من الأسف حتى النهاية، وأطالت الحزن والنحيب، وبذلت أموالها للطبيب، ولو خيرت بين حياتك وموتها لاختارت حياتك بأعلى صوتها، هذا وكم عاملتها بسوء الخلق مرارا، فدعت لك بالتوفيق سرًا وجهارا، فلما احتاجت عند الكبر إليك، جعلتها من أهون الأشياء عليك، وشبعت وهى جائعة، ورويت وهى ضائعة، وقدّمت زوجتك عليها بالإحسان وقابلت أياديها بالنسيان، وصعب عليك أمرها وهو يسير، وطال عليك عمرها وهو قصير، وهجرتها ومالها سواك نصير، يا هذا نهاك الله عن التأفيف، وعاتبك فى حقها بعتاب لطيف،
ستعاقب فى دنياك بعقوق البنين، وفى أخراك بالبعد عن رب العالمين، وتُنادى بلسان التوبيخ والتهديد، ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد.
ولا أريد أن أوذى أسماعكم أحبتى فى الله بصور من العقوق، غير أن أقسى صورة من صوره وأشدها إيلامًا صورة هذا العاق الذى يقتل أمه لحفنة من المال، والأكثر إيلاما هو توجع القلب المحزون قلب الأم الذى قتله ولدها . . استمع معى إلىهذه القصة الرمزية:
أغــرى امـرؤ يومًا غلامًا جاهلاًبنـقـوده كى مـا يـنـال بـه الوطــر
قال ائـتـنـى بفـؤاد أمــك يا فـتـى ولك الجـواهر والــدراهم والــدرر
فمضى وأغرز خنجرًا فى صدرها والقـلب أخرجه وعاد عـلى الأثــر
لكنه من فرط سرعـته هــوى فـتـدحـرج القـلــب الـمـقـطــع إذ عثـر
ناداه قـلب الأم وهـو معفـرولدى حبيبى هل أصابـك مـن ضـرر؟
فكأن هـذا الصـوت رغم حنوه غضب السماء عـلى الغلام قد انهـمـر
فـدرى فـظــيـع جــناية لم يـجـنهتا ولـد سواه مـنــذ تـاريـخ الـبـشـر
فارتد نحـو القــلـب يغـسـله بمـافـاضـت به عيــناه من سيل الـعبر
ويقـول: يا قـلب انـتقم منـى ولاتغــفـر فإن جـريمـتـى لا تـغــتـفــر
فـاستـل خـنـجـره ليـطـعن قـلبـه طـعنـا فـيـبقـى عـبـرة لـمن اعتبـر
ناداه قــلب الأم كــــف يـداً ولاتطعــن فــؤادى مـرتيـن علـى الأثــر
... هذا هو قلب الأم .. وهذا هو حالُها معك .. ألا تتقى الله فيها .. وتحسنُ إليها .. وتدعو لأبويك معا (رب ارحمهما كما ربيانى صغيرا) [الإسراء 24] جعلنا الله وإياكم من أهل البر والإحسان إلى الآباء والأمهات، وجنبنا وإياكم داء العقوق.
هذا وبالله التوفيق ..
وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته
منقول
آخر تعديل بواسطة سواااح ، 22 محرم 1427هـ الساعة 01:01 ص.