
تقرير / إبراهيم أبو شقير :
في ليلة دافئة المشاعر ، مرهفة الإحاسيس . حضر الشعر بكل جماله و رونقه . وعانق القصيد فيها أفق العلا . كانت تلك الليلة من أجمل ليالي محافظة العلا ، و التي احتضنت على أرضها الخضراء ، و جبالها الشاهقة ، أمسية الشاعرين الكبيرين : عبيد الدبيسي و سليمان السناني . الأمسية كانت مساء الجمعة الموافق 13 / 12 / 1426هـ في قاعة قصر الروابي بمحافظة العلا . و أقيمت على شرف سعادة محافظ العلا الأستاذ / أحمد بن عبد الله السديري و بحضور مديري الدوائر الحكومية و أعيان البلد و جمهور كبير من عشاق الشعر و الكلمات العذبة . الأمسية أدارها الزميل الصحافي سلطان الجهني . و كانت ضمن البرنامج الثقافي لفعاليات مهرجان ( من العلا إلى العلا ) ، تحت رعاية الهيئة العليا للسياحة ، و بإشراف من اللجنة الأهلية للسياحة بمحافظة العلا بالتعاون مع إدارة مدينة العلا الصحية .
بدأت الأمسية في تمام التاسعة والنصف مساءً ، في قاعة اكتظت بالحضور . حيث كان القرآن الكريم خير استهلال لتلك الأمسية . تبع ذلك كلمة ترحيبية بالشاعرين الكبيرين ، إلقاها الدكتور حامد أحمد الشويكان مدير القطاع الصحي بمحافظة العلا و منسق مدينة العلا الصحية عضو اللجنة الأهلية للسياحة بمحافظة العلا . .
بعد ذلك قدم مدير الأمسية الصحافي سلطان الجهني نبذة عن الشاعرين ، و عرج بإيجاز إلى تجاربهم الشعرية وانجازاتهم الأدبية . لتبدأ الأمسية بعد ذلك بقصيدة عن مدينة العلا للشاعر عبيد الدبيسي . جاء فيها :
هو وليه ما تكتب باهلها قصيـدة=قلت : العلا و أهل العلا هم قصايد
أهل المواقف و الفعول الحميـدة=ما هو كـلام يننشـر بالجرايـد
اتبعها الدبيسي بنص آخر . قال فيه :
الشعر يبغاله منابـر و جمهـور=روّح زمان الهيجنـة و الربابـة
بامكان واحد باخر الصف مغمور=يصيـر الأول و المنابـر تهابـه
لا ما يهم إن كان موزون مكسور=اللي يهم .. يهم حضـرة جنابـه
كم حضروا لك شاعر ماله حضور=لين اتعبوا منه الورق و الكتابـة
و يتغنى الشعر ، وتتراقص الكلمات، وتعزف المعاني الخلابة على أنغام القاف، وإيقاعات الأوزان الجميلة . ويواصل عبيد الديسي حضوره وألقه في نص ثالث . يقول :
اغني . شلون ما اغنـي=واطاوع القلب و احساسه
بالعب طواريقي و فنـي=و أدق للشعر مرواسـه
إن قالوا : الشعر له جني=سمّيت من شر و سواسه
لينتقل المايك بعدها إلى الشاعر سليمان السناني . و موعد للجمهور مع عمق الشعر ، و غزارة العاطفة ليبدأ سليمان نثراً بكلمة موجزة عبر فيها عن مشاعره الفياضة تجاه محافظة العلا وأهلها الكرام . ثم تبعها بقصيدة عن هذه المدينة الفاتنة . فيقول :
للعلا .. للشواهيق الجـلال النجـاد=لاحتدم المعاني في خفـوق القصيـد
جيت و الطيب منكم قبل أجيكم مـداد=فاح باقصى مسامات الورق و الوريد
ان عطاني سما صارت ضلوعي بلاد=وان عطيته وفا صارت حروفي نشيد
و ان حداني على شماعة الاجتهـاد=ما يفلَ الحديد . إلا عـزوم الحديـد
و يواصل السناني رحلته مع الإبداع ، والجمال ، والإحساس المرهف . و يقول :
هلا بك والظلام اللي كساني ما افتديـه بثـوب=مدامه بيرق الوجه الحقـود ونبـض عذالـي
فديتك من متى كان النهار اشهى هدف لغروب؟=فديتك من متى كانت خُطاي تحـارب ظلالـي؟
ترفّق دامها نوبة غضـب وبكلمتيـن تـذوب=تذكّـر لهفتـي لا لا تذكّـر رجفـة اوصالـي
بالفعل كانت ليلة مختلفة ، و سهرة أدبية تسيدها الشعر تألق كبير من الشاعرين . وتفاعل من جمهور ذواق يعي ماهية الكلمة . يعود المايك مرة أخرى إلى عبيد الدبيسي . و يتغنى شعراً :
ابنشغلك قصيـد وهـم و كتابـة=فيك القصايد تزين وتقطر عذوبـة
الشعر لولا عيونك . ليه أنا اشقابه=و الله يالولا هدبهن ملتفت صوبـه
لاشك يوم أكتبه في نجِلك ازهابـه=و اردده و انثره باحساس و اذوبه
لا طار من خافقي لعيونك اسرابه=ارتاح لاني سمعت ألحان مسحوبه
ينتهي الدبيسي من إلقاء النص . إلا أن الجمهور لا يزال يصفق بحراره . و يحتفل بهذا الحضور المتميز من الدبيسي . . تتأجج المشاعر . و يزدان الليل روعة . و يبحر الدبيسي بجمهور الشعر إلى حيث يكمن الحب و يتجلى الجمال . انتصاراً منه للشعر ، و للذائقة السامية بإحاسيسها . لليل و للعشاق . في شعر أستحق أن يكون في (( العلا )) . يواصل . الدبيسي حضوره المميز . و في نص آخر . يقول :
كل ما جفيتـك زان حبـك بعينـي=و دورت لي عذر على شان اراضيك
ما هو غلا اللي صار بينك و بينـي=إلا غديت اغلا من عيـون مغليـك
ما أروع الشعر عندما يشبه الزهور في حديقة ، حيث تتنقل ناظريك متأمله ومتفحصة تلك الألوان المتناسقة والأوراق الرقيقة الخجلة . . وفي حديقة شعر قاعة الروابي يعود المايك إلى الشاعر سليمان السناني . وجولة أخرى من الشعر . و نصوص هي أقرب ما تكون للشهد ، و أكثر إلتصاقاً بالروح الحالمة . و الخيال المتفاءل . يقول سليمان السناني :
ما رجيتك . . وأنا ادري لورجيتك تسمّي=رجوتي لك خضوع الذل قبـل العطيّـه
خلّها .. هالعنود اللـي تسلّـى بذمّـي=تتبعك في دروبٍ مـا توصّـل لفيّـه !
با عتبرها قصيده اختفت وسـط كمّـي=لوحروفي يتامى .. ما اعتبرها وصيّـه
سولفي يا حروفي عن سبب كل همّـي=تشرب الحبر عينـي والملامـح يديّـه!
و يستمر سليمان السناني في مسامرة الليل شعراً . و ينبض بإحساس راق . يقول :
بيني وبين وقتـي خيـطٍ اسـود حريـر=كـل مـا شـدّت ايامـي أبرخـي لهـا
قالت : ان مات شاعر وانكسر وش يضير=قلـت : تفقـد مواسمنـا محاصيلـهـا
قالت : ان عزّ شاعر وانجرح وش يصير=قلـت : تحصـد حناجرنـا مواويلـهـا
و ما بين الدبيسي والسناني كانت جولات من الشعر ، و الإبداع . في أمسية رجحت بها كفة الشعر ، و ذلك الجمهور الذي استمتع كثيراً بجزل القصيد ، و روعة المعاني ، و الأبيات الغنية بالصور الشعرية ، و الأدوات الإبداعية المحاكية لثقافة شعرية حديثة تسمو بالشعر إلى حيث الرفعة و الجمال .. عبيد الدبيسي قام بإلقاء نص ( تعبت ) . ومنه :
تعبت اقوم بوجه الايـام واطيـح=لا طاب جرح ولا ندفن و احتسبته
يا هي سنيني ما اكتفت بالتباريح=ياذا الزمن شكلي كذا ما عجبتـه
كني خطا و يدين الأيام تصحيـح=شي بري منّـه وشـي ارتكبتـه
كما قام سليمان السناني بإلقاء نص ( الجمر ومدادي ) . ومنه :
من وين ما مدّ لك شوقي طـرف يـدّه=تأكد اني شريـت الضعـف بسهـادي
العاشق المستهام الصـبّ مـن قـدّه=لاهيجنـت كبريـاه النـوق والحـادي
ياقلب نبضـك تمـادى بالسهـر هـدّه=هو من متى يستحي من عيني رقادي ؟
الدبيسي قام بإلقاء نصي ( قمر عالي ) و ( العب السامرية ) ، و هما العملين الذي كتبهما عبيد الدبيسي وتسربا بصوت الفنان عبد المجيد عبد الله . و قبل ذلك قام الدبيسي بإلقاء نص ( و ينك ) الذي اشتهر بصوت عبد المجيد عبد الله . و منه :
وينك بغيت احط واحـد بديلـك=واحد بغى بالحب ياخذ مكانـك
واحد لعب بي لعب و الله وكيلك=لو ما نهيت القلب روح زمانك
السناني تنوع في طرح نصوصه، و كان جميلاً و رائعاً كعادته، و من النصوص التي إلقاها : ( لهفة المرفا ) و ( عفت بلادي ) و (إغراء الدفاتر ) . و كذلك نصه الشهير ( شعاع العيد ) . ومنه :
لمحتك و المسا وجه حزين كنَه التنهيـد=مناه يمزق اللحظة قبل ما اسعد بشوفك
ابد ما تقتل الخطوه رماح الخايف الرعديد=ولا يجرح تلاقينا بها للحظة سوى خوفك
ويمضي الليل سريعاً ، ليعلن مدير الأمسية المتألق سلطان الجهني عن نهايتها ، بينما بقيت ذكراها عالقة في الذاكرة ، كواحدة من أجمل و أروع الأمسيات التي عانقت سماء (( العلا )) .
في نهاية الأمسية قام محافظ العلا بتكريم الشاعرين الكبيرين ، و سلمهما الدروع التذكارية بهذه المناسبة السعيدة .
لقطات من الأمسية :
* حضر الأمسية سعادة محافظ العلا الأستاذ أحمد بن عبد الله السديري و عدد من مديري الدوائر الحكومية وأعيان ومثقفي وشعراء محافظة العلا .
* محافظ العلا الأستاذ أحمد بن عبد الله السديري كان مسروراً جداً من مستوى الأمسية و تألق عبيد الدبيسي وسليمان السناني .
* التلفزيوني السعودي كان متواجداً في قاعة الأمسية . و قام بتصويرها كاملة .
* اللجنة الثقافية بمهرجان ( من العلا إلى العلا ) بذلت جهداً مضاعفاً في ترتيبات الأمسية . و قد تكللت جهودها بالنجاح .
* الشاعر سليمان السناني أبدى اعجابه بالثقافة العالية لأبناء العلا، و بقدرة كبار السن على الحديث في الأدب والتاريخ بشكل ملفت .
* الشاعر عبيد الدبيسي يتفاءل كثيراً بمدينة العلا . سيما و أنه تم اختيار نصه ( أمجاد الموحد ) لأوبريت الجنادرية بعد أمسيته الأول في العلا عام 1419هـ .
* الأستاذ طارق إبراهيم جابر الجهني منسق اللجان بمهرجان ( من العلا إلى العلا ) . كان شعلة من النشاط ، واحد أهم عوامل نجاح فعاليات الأمسية و المهرجان ككل .
* الشاعر فالح الأيداء ، والشاعر فهد متعب كانا من أبرز الحضور من شعراء الساحة الشعبية .
الأمسية في صور :







منقول من منتدى الاستاذ سليمان السناني