قبل ساعات من وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر وتحديداً يوم العاشر من سبتمبر 2001، اعتلى دونالد رامسفيلد - وزير الدفاع الأمريكي السابق- منصة البنتاجون ليلقي واحداً من أهم خطاباته كوزير للدفاع، وقتها لم يكن معظم الشعب الأمريكي قد سمع عن القاعدة أو تخيل أنه يمكن أن يحدث له ما حدث من هجمات الحادي عشر من سبتمبر، والغريب حسبما يشير الكاتب الصحفي الأمريكي جيرمي سكيل في كتابه "بلاك ووتر" أن رامسفيلد تحدث في خطابه عن أن الولايات المتحدة تواجه تهديداً حقيقياً. وينقل سكيل ما ورد على لسان رامسفيلد من قول بأن "العدو أصبح قريباً من الوطن، وهو ما يتطلب إحداث نقلة شاملة في أسلوب إدارة البنتاجون واستحداث نموذج جديد يقوم على القطاع الخاص.. ليست لدي أي رغبة في مهاجمة البنتاجون، ولكنني أريد أن أحرره، إننا في حاجة إلى إنقاذ البنتاجون من نفسه". وفي صباح اليوم التالي كانت الولايات المتحدة الأمريكية على موعد مع هجمات الحادي عشر من سبتمبر لتأتي الفرصة لدونالد رامسفيلد لكي ينفذ ما ورد في خطابه من الاعتماد على شركات أمنية خاصة، ومن بين هذه الشركات شركة بلاك ووتر والتي خصص جيرمي سكيل كتابه للحديث عنها.
ويكشف المؤلف الصلة الدينية التي تجمع بين شركة "بلاك ووتر" وإدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش قائلاً: من الصعب تخيل أن المحسوبية التي اصطبغت بها إدارة الرئيس الأمريكي بوش لم يكن لها دور في نجاح "بلاك ووتر"، فمؤسس الشركة وهو الملياردير إيريك برينس يتشارك مع بوش في اعتناق معتقدات اليمين المسيحي في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث جاء من عائلة جمهورية نافذة في ولاية ميتشيجان، وهي العائلة التي ساعدت تبرعاتها اليمين المسيحي في أمريكا على النهوض. كما أن والده إيدجار برينس دعم الجمهوري جيري بوير في إنشاء مركز أبحاث العائلة وهو مركز معني بمواجهة الإجهاض والزواج المثلي. كل الأوراق إذن تختلط والرابط الأكثر قوة وتأثيراً ونفوذاً هو الإيمان المشترك بمعتقدات المسيحية الأصولية حيث نجحت الشركة في توظيف شخصيات احتلت مكانة نافذة في دائرة صنع القرار السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية ليشكلوا مجلس إدارتها، حيث يشير سكيل إلى أن على رأس هؤلاء جيري بوير الذي يصفه سكيل بأنه "سياسي محافظ معروف بعلاقاته مع كثير من الجماعات المسيحية الإنجيلية، كما يعرف بتأييده غير المحدود لإسرائيل وإيمانه بضرورة استخدام القوة العسكرية لحماية مصالح الولايات المتحدة"، وهناك أيضاً الجنرال المتقاعد جوزيف شميتز الذي عمل مفتشاً عاماً في وزارة الدفاع الأمريكية في حقبة الرئيس الأمريكي السبق رونالد ريجان ثم انتقل للعمل كمستشار في مجموعة شركات برينس المالكة لشركة "بلاك ووتر". ويشير سكيل إلى أن شيمتز كان من أهم المقربين من الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب قبل أن يكون من بين أهم المقربين من الرئيس الأمريكي الحالي جورج بوش الابن ومن إدارته، كما أنه كان مسؤولاً عن رسم خريطة الشركات الأمنية الخاصة ومن بينها شركة بلاك ووتر في بدايات فترة الحرب الأمريكية على الإرهاب. وهناك أيضا الجنرال كوفر بلاك الرئيس السابق لإدارة مكافحة الإرهاب في وكالة المخابرات الأمريكية والذي اشتهر بمقولته "هناك قبل 11 سبتمبر وبعد 11 سبتمبر وسنخلع القفازات"، حيث يصفه سكيل في كتابه بأنه "قاد الفريق المسؤول عن مطاردة بن لادن في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر".
أما في العراق فيشير سكيل إلى أنه منذ عام 2001 ازدادت مكاسب شركة بلاك ووتر بنسبة 300%. حيث حصلت هذه الشركة في أكتوبر 2003 على عقد قيمته 35.7 مليار دولار للقيام بتدريب ما لا يقل عن عشرة آلاف بحار من ولايات فرجينيا، تكساس، وكاليفورنيا كل عام على فنون حماية القوات. وهو المصطلح الذي يقترب كثيراً من حرب العصابات. وقد أبرمت الشركة أولى عقودها في العراق تحت مظلة "توفير الحماية للدبلوماسيين الأمريكيين والمرافق التابعة لهم في العراق".
وقد بدأ ذلك العقد في عام 2003 بقيمة 21 مليون دولار أمريكي بالتكليف المباشرة لتوفير الحماية للحاكم الأمريكي بول بريمر. وتبع هذا العقد توقيع عدد لا حصر له من التعاقدات بين الشركة والإدارة الأمريكية حتى إن التعاقدات التي وقعتها الشركة مع الخارجية الأمريكية فقط بلغت قيمتها 750 مليون دولار منذ شهر يونيو 2004 وحتى اليوم. وحسب ما يذهب إليه سكيل فقد جاءت عمليات الشركة في العراق بناءً على "قرار أصدره الحاكم المدني السابق للعراق بول بريمر في السابع والعشرين من يونيو 2004 منح الشركات الأمنية حرية العمل في العراق، كما منحها حصانة قضائية ضد ملاحقة القانون العراقي لها. كما يبيح لهذه الشركات استخدام معدات تقترب من الجيش النظامي؛ إذ إنها تستخدم أدوات قتالية متوسطة، وفي بعض الأحيان ثقيلة، بل إن جزءاً منها تستخدم الهيلوكبتر والمدرعات لتنفيذ أعمال قتالية وهجومية".
ويشير سكيل إلى أن شركة بلاك ووتر تسعى بقوة لكي تحصل على عقود في إقليم دارفور بالسودان لتعمل كقوة سلام، ويضيف أنه في مسعى من الرئيس جورج بوش لتمهيد الطريق أمام الشركة للبدء في مهمة تدريبية هناك قام برفع العقوبات عن الجزء المسيحي من جنوب السودان، كما أشار ممثل إقليم جنوب السودان في واشنطن إلى أنه يتوقع أن تبدأ شركة "بلاك ووتر" أعمال تدريب قوات الأمن في جنوب السودان في وقت قريب جداً.
كتبنا وكتب الكثير من الكتاب عن شركة تجنيد المرتزقة الأمريكية المسماة بلاك ووتر وعن جرائمها الشنيعة في عرقنا المغتصب الذي أستبيح من قبل وكما يقول المثل العراقي "من هب ودب". من إحدى جرائمها الشنيعة الأخيرة بحق الأبرياء من الشعب العراقي هي التي وقعت في 16/9/2007 قرب ساحة النسور في حي المنصور وراح ضحيتها وحسب الأخبار المنقولة من 17 الى 27 ضحية بضمنهم نساء وأطفال هذا ماعدا العشرات من الجرحى (23 جريح حسب التقارير المنشورة). شركة المرتزقة بلاك ووتر إدعت بأن مرتزقتها أطلقت النار كرد فعل على كمين نصبته لهم المقاومة وبشكل قانوني دفاعا عن أنفسهم بينما التحقيقات المحلية التي أجريت مع الجرحى وشهود العيان من المارة في مكان الحادث أظهرت بأن الرمي العشوائي الذي قامت به مرتزقة بلاك ووتر كان متعمدا ولم يكن له أي مسبب أو إثارة ولم يكن هناك أي إطلاق نار عليهم من أي أحد كان. إستنكرت حكومة العميل نوري المالكي هذه الجريمة في حينها ووصفتها ظاهريا على لسان وزير داخليتها العميل جواد البولاني بأنها "جريمة كبرى لا يمكننا الصمت عليها" وهددت بسحب رخصة عمل شركة بلاك ووتر في العراق. نتيجة هذا "التهديد" ورد الفعل المحلي والعالمي على الجريمة النكراء التي إقترفتها مرتزقة بلاك ووتر أوقفت الشركة نشاط مرتزقتها في العراق ولكن وكما توقعنا في مقالنا السابق "حكومة العميل نوري المالكي ونفخ بالونات العضلات الهوائية ضد شركة بلاك ووتر لتجنيد المرتزقة" حول هذه الجريمة عاودت هذه الشركة أعمالها مرة أخرى بعد إسبوع من التوقف عن النشاط لأن حكومة المالكي العميلة العديمة السيادة والتي لا "تحل ولا تربط" لا تمتلك أي سلطة قانونية لمحاسبة أو لملاحقة مرتزقة الشركة على الجرائم التي إقترفتها في العراق لأن هذه الشركة غير خاضعة للمطاردة والمحاسبة القانونية في داخل العراق لأنها تنظم تحت القوانين التي أصدرها المجرم بول بريمر أثناء فترة حكمه القرقوشي المطلق في وطننا المستباح. إن القوانين القرقوشية التي أصدرها المجرم بول بريمر مازالت سارية المفعول في العراق رغم صدور والموافقة على ما يسمى بـ "دستور العراق الدائم" الذي ألفه اليهودي الصهيوني نوح فيلدمان وصوت عليه أعضاء ما يسمى "البرلمان العراقي" ووقع عليه أعضاء ذلك البرلمان بحوافرهم الملونة. القانون رقم 17 الذي أصدره المجرم بول بريمر والذي وافق عليه أعضاء مجلس الإمعات من خونة العراق ينص بالضرورة على أن العاملين في الشركات الأمريكية "لطالما هم في الواجب فإنهم يقعون تحت حماية القانون الأمريكي ويخضعون له".
بعد إنتشار صدى هذه الجريمة النكراء في جميع أنحاء العالم تحرك الكونجرس الأمريكي واجرى تحقيق مفتوح مع مؤسس هذه الشركة ومديرها العام إيريك برنس الذي دافع عن جرائم مرتزقته التى وصلت الى حد لا يطاق السكوت عليها. تشير الوثائق الجديدة بأن كان هناك ومنذ عام 2005 ما مجموعه 195 حادثة إطلاق نار قامت بها مرتزقة بلاك ووتر في العراق وإن في معظم هذه الحوادث (163 حادث) بدأت هذه المرتزقة دون إثارة تذكر بإطلاق النار على المدنيين العراقيين وسببت قتل المئات من مواطنينا الأبرياء هذا ماعدا الأعداد الكبيرة من الجرحى منهم. بما أن وحسب ما ذكره إيريك برنس أثناء التحقيق أمام الكونجرس أن مرتزقته قامت بـ 16000 مهمة أو واجب حماية أمنية لحد الأن لذا فإن الإعتداءات الجرمية التي قامت بها مرتزقته تعادل إعتداء جرمي واحد لكل 82 مهمة أمنية قامت بها مرتزقة الشركة. ولو إعتبرنا كحد أدنى عدد القتلى والجرحى من المدنيين العراقيين هو 20 في كل حادث إطلاق نار عليهم فإن عدد القتلى والجرحى (كحد أدنى) من الأبرياء العراقيين يصبح 1640 ضحية بريئة خلال تلك الفترة الزمنية.
حجم الجرائم التي قامت بها مرتزقة بلاك ووتر في العراق وقوة صدى ردود الأفعال ضد جريمة ساحة النسور الأخيرة خصوصا بعد التحقيق مع إيريك برنس أمام الكونجرس الأمريكي أجبر وزارة الخارجية الأمريكية على إتخاذ قرار تخويل مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف.بي.آي) بالقيام بمهمة التحقيق في هذا الحادث وذلك لأتخاذ "الإجراءات القانونية اللازمة". شجع هذا القرار ولأسباب دعائية وتكتيكية حكومة المالكي العميلة المطالبة بمحاكمة مرتزقة بلاك ووتر الذين إشتركوا في جريمة مذبحة ساحة النسور ولكنها لم تطالب بالتحقيق في الجرائم الأخرى التي إرتكبتها مرتزقة هذه الشركة أو مرتزقة الشركات الأمنية الأخرى في أماكن أخرى في عراقنا المستباح!!! ولكن العميل علي الدباغ الناطق بإسم حكومة المالكي العميلة صرح بأن حكومته الخرقة ستنظر في توصيات اللجنة التحقيقية التي عينها العميل نوري المالكي التي أوصت "بملاحقة" الجناة قضائيا وسوف تتخذ الإجراءات القانونية المناسبة ضدهم وكأن لحكومته العميلة السلطة على ملاحقة مرتزقة الشركات الأمنية الأمريكية!!!
تواطئ وزارة الخارجية الأمريكية في التغطية على جرائم بلاك ووتر
السبب الرئيسي الذي دعى الكونجرس الأمريكي التحقيق مع إيريك برنس في جلسة مفتوحة هو فضيحة الإفشاء بأن تقرير وزارة الخارجية الأمريكية الأولي عن حادث مذبحة ساحة النسور قد كتب من قبل أحد مقاولي شركة بلاك ووتر الذي إسمه دارين هانر. هذا يعني أن بلاك ووتر جوهريا مشتركة بكتابة الذي يفترض أن يكون التحقيق المستقل لوزارة الخارجية لمراجعة عمل بلاك ووتر الخاص. خلال الشهادة أو التحقيق المفتوح معه أمام الكونجرس قال إيريك برنس بما معناه "يجب على العالم أن يؤجل الحكم على الذي حدث في ساحة النسور لحين تكملة وزارة الخارجية مراجعتها لظروف ذلك الحادث والذي بدوره سيعطي صورة أكثر كمالا للذي حدث"!!! مشاركة دارين هانر في كتابة التقرير الأولي لوزارة الخارجية الأمريكية حول حادث ساحة النسور يعني أيضا أن هذا هو جزء من نمط سياسة وزارة الخارجية للتغطية على التصرفات السيئة لبلاك ووتر وجرائمها في العراق المغتصب. هناك أيضا إدعاءات بأن المفتش العام لوزارة الخارجية الأمريكية تدخل في تحقيق فيدرالي حول تهمة تهريب الأسلحة ضد بلاك ووتر وأعاق ذلك التحقيق. هذه الإدعاءات تطرح أسئلة أنية كثيرة تخص مصداقية التقارير التي يرفعها موظفي وزارة الخارجية الأمريكية حول الجرائم الوحشية التي تحدث ضد المدنيين في عراقنا المستباح والتي يقوم بها المرتزقة الأجانب. طبعا هنا لا نتطرق الى مصداقية تقارير كبار ضباط البنتاجون حول الأكاذيب والتغطية على الجرائم الوحشية الكبرى التي يقوم بها الجيش الأمريكي على المستوى اليومي في العراق.
وزارة الخارجية الأمريكية كانت أيضا تحاول توجيه بلاك ووتر لدفع رشوة الى عائلة أحد حراس العميل عادل عبدالمهدي الذي قتله أحد مرتزقة بلاك ووتر داخل المنطقة الخضراء في 24/12/2006، حيث كتب أحد القائمين بالأعمال في وزارة الخارجية الأمريكية ما يلي الى ضابط الأمن الإقليمي في اليوم التالي (25/12/2006) من حادث القتل "إذا أردنا تفادى كل هذا الشيئ قبل أن ينحدر الى الأسوأ، أعتقد أن تعهد سريع وإعتذار، حتى إذا أرادوا إدعائه كحادث، سيكون أفضل طريقة لإطمئنان العراقيين كي لا يتخذوا الخطوات، مثل إخبار بلاك ووتر بأنهم لم يعودوا قادرين على العمل في العراق". وطبقا للوثائق التي حصلت عليها لجنة السيناتور هنري واكسمان، إقترح القائم بالأعمال في البداية دفع 250 ألف دولار كتعويض لأهل الحارس المقتول ومن ثم خفض المبلغ الى 100 ألف دولار. وقال جهاز الأمن الديبلوماسي بأن هذه الأرقام كانت عالية جدا، ودعا أحد موظفي قسم الخدمات الإجتماعية إقتراحات القائم بالأعمال بأنها "مبالغ مجنونة" وذكر بأن مثل هذا الرقم يمكن أن يجعل العراقيين "يحاولون تعريض أنفسهم للقتل، لكي يسندوا عوائلهم ماليا"!!! في النهاية، إتفقت بلاك ووتر ووزارة الخارجية على دفع 15 ألف دولار، على الرغم من أن إيريك برنس قال بأن المبلغ الذي دفع في الحقيقة كان 20 ألف دولار. وتلك الدفعة أعطيت الى عائلة الحارس المقتول عن طريق وزارة الخارجية الأمريكية نفسها. هذا أيضا جزء آخر من نمط فعاليات وزارة الخارجية تطلب من بلاك ووتر دفع مبالغ زهيدة لتعويض عوائل ضحايا جرائمها في العراق.
في هذا السياق عزيزي القارئ أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية اليوم بأنها ستواصل إستعمال مرتزقة بلاك ووتر في العراق لكن الجنود الخاصين سيضعون تحت سيطرة أشد. كذلك كشف اليوم بأن شركة المرتزقة بلاك ووتر إستأجرت مؤخرا شركة علاقات عامة لها إرتباطات بالسيناتورة الديموقراطية هيلاري كلينتون المنافسة الديموقراطية في الإنتخابات الرأسية لعام 2008 وهي زوجة الرئيس السابق للولايات المتحدة الأمريكية ذو الفضائح الجنسية المجرم بيل كلينتون. كذلك شركة تابعة للشركة الإعلامية بورسون - مارستيلير ساعدت مؤسس بلاك ووتر إيريك برنس للإستعداد لشهادته الأخيرة أمام الكونجرس. رئيس الشركة الإعلامية بورسون - مارستيلير إسمه مارك بين - وهو الإستراتيجي الرئيسي لحملة هيلاري كلينتون للإنتخابات الرئاسية.
منقول/////////////////////////////////////////////////////////