قيل لك قبل ثلاثين سنة عن الصحافة الإلكترونية وميزتها التفاعلية وملاحقتها للأخبار والأحداث بصورة آنية لحكمت على صحافة الورق بالموت .. لاعتبارات عديدة أبرزها أن صحافة الورق وجبة بائتة والصحافة الإلكترونية وجبة جاهزة وسريعة وساخنة .. وآخرها أن صحافة الورق مكلفة بالمعنى الشامل للتكلفة .. ويبقى السؤال : لمَ لم تنته صحافة الورق ؟!
وفي السياق الحضاري هناك أشياء كثيرة تتغلغل في الوجدان الإنساني وتشكل عبر العادة والتعود جزءا من كيانه وتركيبته ويصبح الانفصال عنها شيئاً مستحيلا أو متعذرا أو على أدنى التقديرات صعبا .. في ذات السياق مثلا وفي عصر التحول يظل الكرم مربوطا بالخراف السمان ويقدم ( الذنب ) لرأس القوم إمعانا بإكرامه حتى وإن كان من أهل الضغط والسكر ! .. و الأمر نفسه حتى في الجانب الثقافي يأتيك الشاعر المظلي ليقول :
ناقتي ناقتي لا رباع ولا سديس # وصليني لابتي من فوق هاك الطعوس
وفي جانب الفرح والأعياد نهتز ونتمايل بالسيوف .. ( حنا هل العوجا ) في زمن كل العالم يعمل على ( العدال ) ! .. هل يتصور أن يكون فرح وسيوف ؟!! .. لكنها رقصة الانتصار في الحرب ظلت رمزا للفرح عبر الامتداد حتى بإرثها النصي .
أشياء كثيرة لا يحكمها العقل والمنطق .. ولا تحكمها الحاجة .. أذكر قبل سنوات وفي رحلة للصحراء يممنا شطر رجل سبعيني فض غليظ .. في عنة بدو تتخاطفها الرياح من صوب إلى صوب ويعيش الكفاف وشظف العيش يتنقل خلف إبله على كسرة ( جيب ) يجلب لها الماء في راوية .. لم يتزوج ويعيش لوحده على التمر والحليب .. كان كمن يتحفز لأن يقول شيئاً وهو لا يقول كان عبارة عن أسئلة مجموعة في سؤال تحينت فرصة لأسأله إياه : لم أنت هنا ؟ ولوحدك ؟ بع بعارينك وادخل البلد . رد: أيا الخبل !! أترك قبور أهلي وأدخل !! أيا الخبل ! تنهض على عكازة عصا ومضى قبل أن تمضي صرخة مدوية أطلقها تشبه صوت البعارين .
هذا في الثابت أما في المتحول فهناك أشياء تتحول لا بفعل الصيرورة الحياتية فحسب وإنما بفعل مؤثرات تتكاتف على النسف والتغيير .. خذ مثلا تفضيل الشباب للمرأة النحيفة الرشيقة بينما كان أجدادهم و آباؤهم يفضلون المكتنزة السمينة .. ومادمنا في ذات السياق كان لي زميل أوغندي على مقاعد الدراسة اسمه ( متيابا ) ولأني دائما أغرم بالأسئلة سألته : ما مقياس جمال المرأة عندكم ؟ فقال : أن تكون سوداء ذات بشرة صافية . فقلت مستحيل !! .. وكان ( صالح ) السوداني مصيخ سمع فقال : نحن في السودان إذا نوصي الخاطبة نقول ( دايرها زيتونة ) !. ومن المتحولات موضات الشباب والفتيات فيما يتعلق باللباس والتجميل وما يرتبط بهما ..
ويبقى السؤال ما الثابت الذي يتجذر ويظل مغروسا لا تقتلعه رياح التغيير ولا تؤثر فيه ؟ .. وما المتغير الذي لا يصمد ؟
أظن أننا بحاجة فعلا إلى هز الكثير من الثوابث التي مرت رياح التغيير حين لم تكن عاتية فأبقتها .. كما نحن بحاجة إلى تثبيت بعض المتحولات التي اقتلعتها الرياح ذات هيجان وشدة . ولكن ما المنظار الذي يفترض أن نستصحبه في رحلة هكذا تغيير ؟ طبعا سنختلف في التنظير وفي الإبقاء والاقتلاع .. لكن مادمنا نستصحب في خصوصيتنا النص الديني القطعي الثابت .. وندير المصلحة التي تناسب زماننا وظروفنا وبيئتنا في مجال منطقي وعقلي تحليلي .. مستصحبين ما لدينا من مكانز قيمية عبر إرثنا الحضاري مستفيدين ومنفتحين على تجارب الآخر .. مادمنا كذلك فتأكدوا تماما بأن ستكون دوائر التقاء كثيرة .. وحينها تنعدل ( العوجا ) لتسير في الطريق المستقيم .~~ خلف وقيت~~
الحياة محطات ومراحل قد يتوقف الانسان عند مرحلة ليغادر