بمناسبة حلول شهر صفر, أحببت أن أحذر إخواني المسلمين من صنيع الجاهليين، واعتقاد المشعوذين، وأوهام المنجمين والدجالين، وادعاءات الكذابين، وأذكرهم بسلوك المؤمنين، الموحدين، الموقنين بأن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم، وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، عملاً بقول الناصح الأمين والرسول الكريم، ومن قبل قال ربنا سبحانه وتعالى: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا}1، وقال في الحديث القدسي: "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك"2.
فإن التشاؤم والتطير من الصفات الذميمة، والأخلاق اللئيمة، ولا يصدر إلا من النفوس المستكينة، لمنافاة ذلك للتوكل واليقين، فهو من سمات الكسالى والبطالين، ولهذا نهى الإسلام أتباعه عن التشاؤم والتطير، وكان صلى الله عليه وسلم يحب التفاؤل لما يبعثه في النفس من الأمل والاطمئنان، ويكره التشاؤم لما يحدثه في النفس من الاستكانة، والضعف، والعجز، والهوان.
الأدلة على النهي عن التطير والتشاؤم بصفر وبغيره
الأدلة على النهي والتحذير عن التطير والتشاؤم، والأمر بالتفاؤل، والحث على الإقدام بعد العزم، والتحذير من التباطؤ والعجز بسبب الأوهام، كثيرة جداً، وسنذكر منها ما يسره الله:
§ عن أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر"3.
§ أخرج عبد الرزاق عن معمر عن إسماعيل بن أمية رفعهاان النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة لا يسلم منهن أحد: الطيرة، والظن، والحسد؛ فإذا تطيرت فلا ترجع، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننتَ فلا تحقق".
§ وعن ابن مسعود يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "الطيرة شرك، وما منا إلا يتطير، ولكن الله يذهبه بالتوكل"4.
§ وفي رواية: "لا طيرة، والطيرة على من تطير"أ.
وحيث ان موضوعنا هو شهر صفر فسيكون البيان لهذه الاحاديث الشريفة مقتصرا على ما يخص التطير والتشائم خاصة في شهر صفر رغبة في الافادة وعدم الاطالة فنقول وبالله التوفيق:
اولا الطيرة:
هي التشاؤم، وهي مصدر تطيّر، مثل تحيّر حيرة.
قال ابن حجر: "وأصل التطير أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير، فإذا خرج أحدهم لأمر، فإن رأى الطير طار يمنة تيمن به واستمر، وإن رآه طار يسرة تشاءم به ورجع، وربما كان أحدهم يهيِّج الطير ليطير فيعتمدها، فجاء الشارع بالنهي عن ذلك، وكانوا يسمونه السانح.. والبارح".
فالسانح ما ولاك ميامنه، بأن يمر عن يسارك إلى يمينك، والبارح بالعكس، وكانوا يتيمنون بالسانح ويتشاءمون بالبارح، لأنه لا يمكن رميه إلا بأن ينحرف إليه، وليس في شيء من سنوح الطير وبروحها ما يقتضي ما اعتقدوه، وإنما هو تكلف بتعاطي ما لا أصل له، إذ لا نطق للطير ولا تمييز.
ثم قال: وكان أكثرهم يتطيرون، ويعتمدون على ذلك، ويصح معهم غالباً لتزيين الشيطان ذلك، وبقيت من ذلك بقايا في كثير من المسلمين ا هـ
ثانيا: صفر
ذهب اهل العلم فى تفسير ذلك مذاهب منها:
أ. أن المراد بصفر هو داء في البطن بسبب دود كبار كالحيات، وكانوا يعتقدون أنه معدٍ، وممن ذهب إلى ذلك سفيان بن عيينة والإمام أحمد رحمهما الله.
ويرد على ذلك أنه لو كان كذلك لكان داخلاً في قوله: "لا عدوى"، وقد يقال إنه من باب عطف الخاص على العام.
ب. الصفر وجع في البطن بسبب الجوع، ومن اجتماع الماء الذي يكون من الاستسقاء.
ج. أن المراد بصفر شهر صفر، الذي يسميه العوام في السودان "الويحيد"، ثم اختلفوا في تفسيره على قولين:
أحدهما: أن المراد نفي ما كان الجاهليون يفعلونه في النسيء، فكانوا يحلون المحرم، ويحرمون صفر مكانه، وهذا قول مالك رحمه الله.
والثاني: أن المراد أن الجاهليين كانوا يتشاءمون بصفر، ويقولون: إنه شهر مشؤوم.
والذي يترجح لدي كثير من اهل العلم أن هذا التفسير هو المراد، لأن الجاهليين كانوا يتشاءمون به، ولا يزال البعض يتشاءم به إلى يومنا هذا، بحيث:
• لا يتزوجون فيه.
• ولا يسافرون فيه.
• ولا يحاربون فيه.
• وقد قال بعض هؤلاء الجهال: ذكر بعض العارفين أنه ينزل في كل سنة ثلاثمائة وعشرون ألفاً من البليات, وكل ذلك في يوم الأربعاء الأخير من صفر, فيكون ذلك اليوم أصعب أيام السنة كلها, فمن صلى في ذلك اليوم أربع ركعات, يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة, وسورة الكوثر سبع عشرة مرة والإخلاص خمس عشرة مرة, والمعوذتين مرة, ويدعو بعد السلام بهذا الدعاء, حفظه الله بكرمه من جميع البليات التي تنزل في ذلك اليوم ولم تحم حوله بلية في تلك السنة, وهذا هو الدعاء
"بعد البسملة....... اللهم يا شديد القوة, ويا شديد المحال, يا عزيز, يا من ذلت لعزتك جميع خلقك.
اكنفني من شر خلقك, يا محسن يا مجمل يا متفضل, يا منعم يا متكرم, يا من لا إله إلا أنت, ارحمني برحمتك يا أرحم الراحمين, اللهم بسر الحسن وأخيه وجده وأبيه وأمه وبنيه, اكفني شر هذا اليوم وما ينزل فيه يا كافي المهمات ويا دافع البليات, فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم, وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين"
وكذلك ما يفعله بعض الناس في اجتماعهم في آخر أربعاء من شهر صفر بين العشاءين في بعض المساجد, وتحلقهم إلى كاتب يرقم لهم على أوراق آيات السلام السبعة على الأنبياء ؛ كقوله تعالى: {سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ}5 ثم يضعونها في الأواني،ويشربون من مائها،ويعتقدون أن سر كتابتها في هذا الوقت،ثم يتهادونها إلى البيوت.
ونظير هذا تشاؤم بعض الناس في بعض الأقطار الإسلامية من عيادة المريض يوم الأربعاء وتطيرهم منه.
وقد أبطل الله كل ذلك على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.
ما يقوله مَنْ عرض له شيء من التطير والتشاؤم
مَنْ عرض له شيء من التطير فعليه ألا يرجع، وليتوكل على الله ويمضي في مراده، وليدعُ بهذا الدعاء الذي أثر عن ابن عمر رضي الله عنهما: "اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك" أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وهو مصداق قوله تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ}6.
وسر هذا أن الطيرة إنما تتضمن الشرك بالله تعالى, والخوف من غيره, وعدم التوكل عليه والثقة به, فكان صاحبها غرضاً لسهام الشر والبلاء, فيتسرع نفوذها ؛ لأنّه لم يتدرع بالتوحيد والتوكل, والنفس لابد أن تتطير, ولكن المؤمن القوي الإيمان يدفع موجب تطيره بالتوكل على الله, فإن من توكل على الله وحده كفاه من غيره, قال تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ}7.
ثم لنعلم أن ما عند الله جل وعلا إنما يجلب بطاعته، وأن المكاره المتوقعة أو الحادثة الحاصلة الموجودة إنما تدفع بالدعاء تارة وبطاعات الله تارة ومن يتوكل على الله فهو حسبه وقال جل وعلا: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا}8
نماذج للمتوكلين في مخالفة ما قاله المنجمون
من تلكم المواقف ما يأتي:
أ. إمام المتقين وسيد المتوكلين صلى الله عليه وسلم يغزو في صفر وينتصر فيه عندما أراد صلى الله عليه وسلم أن يغزو في صفر قال له البعض: لا تغز في هذا الشهر، فإنك إن غزوت فيه فلن تنتصر على عدوك؛ فلم يلتفت إلى أقوالهم، وغزا فيه وانتصر على عدوه.
ب. أمير المؤمنين علي رضى الله عنه قاتل أهل النهروان في صفروانتصر عليهم قيل لعلي رضي الله عنه لما أراد لقاء الخوارج: أتلقاهم والقمر في العقرب؟ فقال رضي الله عنه: فأين قمرهم؟ وكان ذلك في آخر الشهر، فانظر إلى هذه الكلمة التي أجاب بها، وما فيها من المبالغة في الرد على من يقول بالتنجيم، والإفحام لكل جاهل يحقق أحكام النجوم.
وقال له مسافر بن عوف: يا أمير المؤمنين، لا تسر في هذه الساعة، وسر في ثلاث ساعات يمضين من النهار؛ فقال له علي رضي الله عنه: ولِمَ؟ قال: إنك إن سرت في هذه الساعة أصابك وأصاب أصحابك بلاء وضر شديد، وإن سرت في الساعة التي أمرتك ظفرت وأصبت ما طلبت؛ فقال عليّ رضي الله عنه: ما كان لمحمد صلى الله عليه وسلم منجم، ولا لنا من بعده ـ في كلام طويل يحتج فيه بآيات من التنزيل ـ فمن صدقك في هذا القول لم آمن عليه أن يكون كمن اتخذ من دون الله نداً، أو ضداً؛ اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك؛ ثم قال للمتكلم: نكذبك ونخالفك، ونسير في الساعة التي تنهانا عنها. ثم أقبل على الناس، فقال: أيها الناس إياكم وتعلم النجوم إلا ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر، وإنما المنجم كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر في النار، والله لئن بلغني أنك تنظر في النجوم وتعمل بها لأخلدنك في الحبس ما بقيتَ وبقيتُ، ولأحرمنك العطاء ما كان لي سلطان؛ ثم سافر في الساعة التي نهاه عنها، ولقي القوم فقتلهم، وهي وقعة النهروان الثابتة في صحيح مسلم.
ثم قال: لو سرنا في الساعة التي أمرنا بها وظفرنا وظهرنا لقال قائل: سار في الساعة التي أمر بها المنجم؛ ماكان لمحمد صلى الله عليه وسلم منجم ولا لنا من بعده؛ فتح الله علينا بلاد كسرى، وقيصر، وسائر البلدان؛ ثم قال: "أيها الناس! توكلوا على الله، وثقوا به فإنه يكفي ممن سواه".
عندما أراد المعتصم العباسي رحمه الله أن يغزو عمورية قال له المنجمون: إن مدينتنا لا يمكن أن تفتح في هذه الأيام؛ فضرب بقولهم عرض الحائط، وسفه أحلامهم، وأبطل اعتقادهم، فغزاها، وفتحها، وضمها إلى رقعة الدولة الإسلامية، وقد صاغ أبو تمام هذه الحادثة شعراً، حيث قال:
السيـف أصدق إنبـاءً من الكتب في حده الحـد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في متونهن جلاء الشك والريب
إي وربي لقد صدق أبو تمام، فقد أبطل الله بعزيمة المعتصم وإصراره على فتح تلك المدينة في ذلك الوقت الذي نهاه المنجمون عنه وَهَمَ الواهمين، وأزال شك الشاكين، قبل أن يزيل عن عمورية سلطان الكفر والكافرين.
هذا مسلك المؤمنين الصادقين، وسبيل الموحدين الموقنين بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ودع عنك أقوال المنجمين، وكذب الدجالين، وتخرص الظانين، وتصديق الكهنة، والسحرة، والخرافيين تكن ممن بشرهم رسولنا الكريم بدخول الجنة آمنين حيث قال: صلى الله عليه و سلم "سبعون ألفاً من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون"9.
ولهذا ينبغي علينا أيها المؤمنون أن ننبه إلى هذه الأصول وإلى الاعتقاد الصحيح وأن لا يدخل علينا اعتقادات باطلة ولا تشاؤم بأزمنة ولا بأمكنة، لأن هذا مخالف لما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم وللاعتقاد الناصع السليم الذي جاء به دين الإسلام.