الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وصلي الله وسلم علي المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين 0
أما بعد : فهذه نبذة عن العبد الفقير أكتبها لمن أحبنا وأحببناه في الله ومعلوم أن من أحب شيئا أولع بالتعرف عليه والتطلع إلي أسراره وخباياه ،فأقول مستيعنا بالمولي جل في علاه : كاتب هذه النبذة هو عبدا لله الفقير إليه في كل وقت وحين عبدا لحميد بن خليوي بن عليثه بن عطية الله الرفاعي الجهني : أما جهينه فقبيلة معروفة وكيف لاتكون كذلك وهي التي عندها الخبر اليقيين ! أما رفاعة ففرع كبير من فروع جهينة ولا أدري هل هم المقصودون في الحديث الذي رواه أبو داود في "سننه 3-450" عن سبرة بن معبد الجهني أن النبي صلي الله عليه وسلم نزل في موضع المسجد تحت دومة ، فأقام ثلاثا ثم خرج الي تبوك ، وان جهينة لحقوه بالرحبة ، فقال لهم : "من أهل ذى المروة " ؟ فقالوا : بنو رفاعة من جهينة ، ،فقال : "قد أقطعتها لبني رفاعة " فاقتسموها فمنهم من باع ومنهم من أمسك فعمل 0 ثم إن النسبة إلي رفاعة موجودة في غير جهينة ففي بلاد الشام تطلق الرفاعي علي بعض أسر الأشراف الهاشميين ومنهم الشيخ محمد نسيب الرفاعي صاحب مختصر تفسيرا بن كثير وصاحب الرسالة المفيدة المحررة في أحكام التوسل 0 وقبيلة جهينة مساكنها معروفة من العصر الجاهلي وهي المساكن التي تقطنها الآن حول جبل ر ضوى وينبع من ساحل البحر الأحمر إلي أطراف مدينة رسول الله صلى عليه وسلم وصاحب هذه الترجمة لم ينأ عن منازل قومه حيث ولد في مدنية ينبع البحر يوم السبت 20/1/1390هـ وتلقيت التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي في مدنية ينبع حيث انتظمت سنة (1397) بمدرسة طارق بن زياد الابتدائية غير أنه تم تحويلي في اليوم الأول مع مجموعة كبيرة من الطلبة إلي مبني مستأجر من المباني العتيقة وكانت ملحقا للمدرسة الذي صار فيما بعد مدرسة ر ضوى الابتدائية وفي هذه المدرسة حصلت علي الشهادة الابتدائية ثم انتظمت سنة (1404 ) بمتوسطة ابن ماجد الملاح...
درس تحت يد:
الأستاذ القدوة عياد بن عوادة الفايدى الجهني رحمه الله
عندما كنت تلميذاً في المرحلة المتوسطة ظهر عندي اهتمام بالشعر والأدب فاقتنيت مجموعة لابأس بها من الكتب والدواوين الشعرية وأذكر منها كتاب ((كليلة ودمنة)) لابن المقفع وقد قرأته في تلك الفترة وكذا ((الادب الصغير)) و((الادب الكبير)) له وكتاب ((البيان والتبين)) للجاحظ وقرأت فيه شيئاً كثيراً وأذكر أني قرأت في تلك الفترة كتاباً ضخماً في سيرة عنترة بن شداد ! أما الدواوين فقد عنيت بالشعر الجاهلي وعلى وجه الخصوص المعلقات السبع وكان عندي كتاب ((شرح المعلقات)) للزوزني وكنت كثير النظر فيه لسهولته واختصاره وعنايته بالمعنى العام للبيت, واقتنيت - كذلك - ديوان امرئ القيس, وديوان طرفة بن العبد, وعنترة بن شداد, والنابغة الذبياني, وزهير بن أبي سلمي ولبيد بن ربيعة ودواوين أخرى لشعراء جاهليين لا استحضرهم الآن, وجمعت - كذلك - بعض الدواوين لشعراء العصر الأموي فكان عندي ديوان الفرزدق, وديوان جرير, ومن شعراء صدر الإسلام ديوان حسان بن ثابت, أما الشعراء المولدون فديوان المتنبي وكنت كثير الاعجاب به والنظر فيه, وديوان ((سقط الزند)) لأبي العلاء المعري, ولم أحفل كثيراً بالشعراء المتأخرين بل الواقع أنه لم تطل رحلتي في عالم الشعر والأدب لأتعرف على كثيرين منهم إلا شاعراً واحداً اقتنيت ديوانه فسحرني شعره لقربه من لغتي وذوقي وعصري ولما لشعره من الطلاوة وصدق العاطفة وقوة التأثير وجمال الوصف وحلاوة التعبير. لا أظن أحدأ يختلف معي أنه أحمد شوقي. وتذكرت أنه كان عندي - أيضاً - ديوان لشاعر آخر معاصر كان الناس يظنون أنه خليفة شوقي - كما قيل - لولا ما دخل فيه من نظم الشعر العامي لسبب معروف لا يخفى على من اطلع على سيرة هذا الشاعر البائس مع أنه كان يجيد النظم بالفصحى وبالعامية ولو تمحض للأولى لكان له شأن آخر ذلكم هو الشاعر الرقيق أحمد رامي.
كل هذا الزخم الأدبي والمطالعات الشعرية كانت في المرحلة المتوسطة في حدود سنة (1405هـ) وسنة (1406هـ) وقد فقدت مجموعة كبيرة من تلك الكتب والدواوين وبقي منه شيء لازال عندي وفي يدي الآن ديوان عنترة مكتوب على غلافه من الداخل: عبد الحميد خليوي الرفاعي - متوسطة بن ماجد الملاح - 1405هـ - 1406هـ.
ومثله ديوان المتنبي مكتوب عليه اسمي في غلافه من الداخل وبعده عبارة: ينبع البحر 17/11/1406هـ وأظن أن هذا تاريخ شراء الكتاب.
هواية غريبة لا أدري ما الذي فجَّرها في نفسي في تلك الفترة المبكرة فجعلني اجمع تلك المجموعة من كتب الأدب ودواوين الشعر وما كان ينقصني في ذلك الوقت مع هذا الحماس والإقبال سوى شيخ متمكن أو أستاذ متمرس في علوم اللغة ينمي عندي تلك الهواية ويأخذ بيدي في عالم الشعر والأدب. فقد كنت أجد صعوبة في قراءة كثير من تلك الكتب ولا أفهم معظم القصائد ولاسيما قصائد الشعراء الجاهليين وكان ديوان الفرزدق على وجه الخصوص من أصعب الدواوين عندي كأن مفرداته مسامير مثبتة في صخر لا يرام قلعها وصدق النقاد حينما قالوا عنه إنه ينحت من صخر. على أن له قصائد سهلة تشبه قصائد خصمه جرير بل أسهل من ذلك بكثير كقصيدته المشهورة في زين العابدين التي يقول في مطلعها:
هذا الذى تعرف البطحاء وطئته = والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم = هذا التقى النقى الطاهر العلم
هذا ابن فاطمة ان كنت تجهله = بجده أنبياء الله قد ختـموا
وما بقولك من هذا بضائره = العرب تعرف من أنكرت والعجم
إلى آخر القصيدة ولها قصة معروفة, لكن الذي يقارن هذه القصيدة بقصائد الفرزدق الأخرى يعجب من هذا النفس السهل والأسلوب السلس الذي تميزت به هذه القصيدة والله أعلم بحقيقة الحال.
لم تطل فترة الولوع بكتب الشعر والأدب حيث جاءت بعدها مرحلة العناية بطلب العلم الشرعي وكنت وقتها طالباً في المرحلة الثانوية لكن سائلاً قد يسألني وقد رأى انغماسي بين قصائد الشعراء الجاهليين والإسلاميين والمولدين والمعاصرين000 إلى آخرة ، هل كان له أثر في إثارة العاطفة وتحريك الوجدان ومحاولة نظم الشعر ؟ فأقول: نعم. بيد أني كنت قصير النفس لا أقوى إلا على بيت أو بيتين أو ثلاثة انشدها عند بعض الأصدقاء نعم, أذكر أني نظمت قصيدة غزلية نحواً من عشرين بيتاً وأنا في الصف الأول الثانوي ثم إني تجرأت - لا أدري كيف- فعرضتها على اثنين من أساتذتي في اللغة أما الأول فأثنى عليها من جهة كونها بداية فقط ! وأما الآخر ففاجأني بإحضارها في الفصل وقراءتها ونقدها أمام الطلاب مع أني لا إخالهم فهموا منها بيتاً واحداً لا لفصاحتها وبلاغتها بل لركاكتها وعجمتها, ثم إني تبت بعد ذلك من نظم قصائد الغزل ! ويكفي أن أكون قارئاً للشعر لا شاعراً ! وإلى مقالة الجمعة القادمة إن شاء الله والسلام عليكم ورحمة الله.