من أبرز العادات السيئة التي حرص الإسلام على علاجها منذ اللحظة الأولى لنزوله عادة شرب الخمر، وقد اعتمد في تغييرها وتغيير غيرها من العادات السيئة مبدأ التدرج مع ملاحظة الخطوات التالية في ذلك:
1.بيان حقيقة الخمر:والحديث عن منافعها ومساوئها وعدم التركيز على المساوئ أو المبالغة في ذلك:(ويسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما). وبيان الحقيقة مع عدم المبالغة يفيد شريحة العقلاء من الناس حيث ثبت أنه بعد نزول هذه الآية امتنع بعض المسلمين عن شرب الخمر،وبدأت النفوس تتهيأ للنفور منه ، فبعد أن كان عادة مقبولة اجتماعياً لا تلقى أي معارضة بين الناس بدأ القرآن وفق نهجه التدريجي بتكوين استجابة معارضة لهذا القبول من خلال إيضاح الحقيقة ، وما أحوجنا ونحن نكافح المخدرات إلى هذا الأسلوب الذي يبدأ بإيضاح الحقيقة دون مبالغة وبيان أن هذه المخدرات مواد نافعة حين تعطى بمقادير دوائية لتسكين الآلام والأوجاع وهذا ما يُعمل به في المستشفيات والعيادات الطبية ولكنها تصبح سماً زعافاً عندما تؤخذ بمقادير كبيرة ، ومع أن متعاطيها يحصل على نشوة كبرى كنشوة متعاطي الخمر وربما أشد ـ وهذا نفع بلاشك ـ إلا أن حجم الأذى والضرر على جسده وعقله نتيجة الاستمرار في التعاطي أكبر بكثير جداً من هذا النفع المؤقت الذي يستشعره.إن تناول مشكلة المخدرات بالطريقة التي تناول بها القرآن مشكلة الخمر يتيح لنا الفرصة لجعل المدمنين ينصتون ، في حين أن التركيز فقط على مساوئها يجعلهم ينفرون من السماع ذلك أنهم يعتقدون أن لها منافع لا نعرفها نحن لأننا لم نتعاطها ، وفي هذا يكون القرآن قد كشف عن مبدأ نفسي لم يفطن له البشر إلا مؤخراً وهو أن قول الحقيقة حتى عن أكثر الأشياء ضرراً خير من إغفالها لأن الحقيقة الكاملة هي التي تتيح للمتحدث الفرصة لجعل المدمنين يستمعون إليه ، وعندها يستطيع البدء بتكوين الاستجابة المعارضة للسلوك المعتاد.
2. التنفير المنطقي على خلفية إيمانية: المعتمد على مبررات منطقية:(يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون). وتعلموا ما تقولون هي المستند المنطقي للتنفير فمن يشرب الخمر سيخطئ في قراءة القرآن من حيث اللفظ ، ولن يعرف المعنى وسيفقد القدرة على الخشوع في صلاته، وهذا كله سينفر الفرد من الخمر، وحين يُقلع خمس مرات في اليوم هي عدد الصلوات لن يبقى لديه إلا وقت قليل يضيع معظمه في النوم.فإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الخطاب موجه للذين كان النبي يبني الإيمان في نفوسهم أدركنا أن التربة المناسبة لقبول هذا الخطاب الرباني هي تربة كونها الإيمان والخوف من الله والارتباط به .إن نهي المسلمين عن تعاطي الخمر في أوقات الصلاة مع بناء الإيمان في نفوسهم وتهيئتهم لما بعد ذلك أسلوب انفرد به القرآن الكريم . ولم يكن لهذه الخطوة أن تصل إلى هدفها في جو ضعف الإيمان ، لذا كان لابد من ربطها بزيادة إيمان الأفراد ، وربما كان هذا هو السبب وراء نزول الآية في المدينة وليس في مكة.
3- الخطوة الثالثة : النهي والامتناع عن تعاطي الخمر : (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون . إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون).