شهاده أخرى لأسير محرر يميط خلالها اللثام عن قباحات الاحتلال الصهيوني ويفضح ممارساته الهمجية والقمعية المبرمجة تجاه الأسرى.. كلماته مثقلة بفيض من الأحزان لما عاناه من أوضاع الأسر الذي يزداد سوءا.. والأدهي والأمرّ أن ما يحدث في باستيلات الموت الصهيونية لا يجد صدى ولو على استحياء إلا على منابر الخطابة أو في مساحة إعلامية ضيقة تتضاءل لتصبح همسا في بحر من ضجيج القمع والتعذيب والقتل البطيء خلف القضبان.
الأسير المحرر عليان المفرج من القدس، والبالغ من العمر 30 عاما يقول:" الظروف الاعتقالية لأسرى الحرية تتفاقم لتصبح حياة أفضل منها الموت، إذ أن الحالة السياسية تنعكس بشكل جلي على أسلوب الاحتلال الصهيوني القمعي مع الأسرى في السجون.
ويضيف: لم تشهد الحركة الأسيرة أوضاعا بهذه القسوة، ولم تعاين قهرا وإذلالا كما هو الحال الآن
الأستاذ عليان والحاصل على بكالوريوس في الكيمياء من جامعة القدس " ابو ديس" كان قد اعتقل خمس مرات على خلفية انتمائه لحركة الجهاد الإسلامي . فقد اعتقل في العام 1996 وحكم إداريا لمدة شهور ثلاث ثم في العام 1998 مرتين ليقضي حكمين إداريين أيضا لشهور ستة، فاعتقال آخر في بداية انتفاضة الأقصى في العام 2000 وحكم عليه بالسجن لمدة 30 شهرا قضاها في سجن مجدو المعتقل الوحيد الموجود حينها. وأعيد اعتقاله في حزيران 2005 ليقضي حكما بالسجن مدة 18 شهرا وقد تنسم هواء الحرية قبل شهر.
يوميات الأسرى ومعاناتهم
عليان تحدث مطولا عن ألوان من العذاب اليومي الذي يعيشه الأسرى، إذ يعيش الأسرى خلف القضبان على ما يمكنهم الحصول عليه من الكانتين الذي انقطع فترة غير قصيرة منذ شباط 2006 الماضي وأعيد منذ فترة قريبة فقط.
تقوم إدارة السجون يوميا بتفتيش الشبابيك بشكل مذل فيجبر الأسرى على التجمع في غرفة واحدة ضيقة وبأعداد كبيرة حتى يتم الفحص اليومي. وتعمد إدارة السجون أيضا إلى اقتحام غرف الأسرى بشكل مباغت وتعبت بمقتنياتهم وتصادر ما تراه يزيد عن حاجتهم من ملابس أو حاجيات، ويبقى الأسرى مقيدين لساعات حتى تنتهي عملية الاقتحام التي قد تتم في أي وقت كالواحدة فجرا مثلا وتستمر ثمان ساعات أو حتى ساعات المساء .
الغرامات تفرض بسبب وبدون سبب وتتراوح ما بين ال 100- 1500 شيقل عدا عن نوبات العزل أو الاعتداء بالضرب على الأسرى أو نقلهم إلى سجون أخرى بشكل مبرمج مدروس يجعل حياة الأسير بعيدة كليا عن الاستقرار أو الراحة النفسية. وانقطاع رواتب الأسرى من التنظيمات بدون استثناء والذي تزامن مع انقطاع رواتب وزارة شؤون الأسرى، ضاعف معاناتهم ومعاناة أهلم الذين يعجزون عن توفير مورد مالي لحياتهم اليومية بإقصاء رب البيت أو معيله خلف القضبان ومحاولة إدخال أي مبلغ لذويهم، كل هذا حوّل حياة الأسرى خلف القضبان وحياة عائلاتهم خارجها إلى حجيم .
كما يحرم الأسرى من التواصل عبر الهاتف مع أهاليهم وبعضهم يحرم من الزيارة لسنوات رغم أن هذا التواصل يتمتع به السجناء المدنيون في السجون الصهيونية . وبهذا تبرز بشاعة التمييز العنصري للاحتلال وتضيف بعدا آخرا لأساليب إقصاء الأسير عن محيطه الخارجي فتعزله تماما حتى لا يعود يفكر إلا في يومه الذي يحياه ولا يدري هل سيكون له غد أم لا.
عليان يقول: يحتاج الأسير شهريا إلى 500 شيقل على أقل تقدير حتى يعيش في تلك الأقبية المتعفنة والخالية من أي سبب لحياة البشر، فعلى سبيل الذكر لا الحصر، تقدم إدارة السجون طعاما لا يصلح للاستعمال الآدمي يعده الأسرى المدنيون، وهم في الغالب من المدمنين على المخدرات أو المحتجزين على خلفيات أخلاقية، فلا تراعي في إعداده شروط الصحة والنظافة ولا الخصوصية الدينية أو الثقافية، مما يجعلنا نتخلص منه حالما يصلنا خاصة وانه يصل باردا وقد علقت به بعض الحشرات أو ولغت منه القطط، عدا عن النقص الحاد في أهم ما يمكن الاستفادة منه، مثل ملح الطعام والسكر والزيت أو حتى فتات الخضار و مستلزمات النظافة من صابون وشفرات الحلاقة ومعجون الأسنان".فلا يبقى للأسير بعد هذا سبيل إلا شراء مستلزماته من الكانتين .
وعن حال الأسرى في المعتقلات الصهيونية خلال فصل الشتاء يقول عليان: شتاء قاس وبرد قارس ينخر عظام الأسرى المحرومين من أي وسيلة للتدفئة عدا عن تحديد الأغطية للأسير الواحد باثنين فقط وهي لا تفي طبعا بحاجة الأسير الذي لا يمكنه اقتناء أكثر من ثلاث "بلايز" وبنطالين، فحتى الأحذية منع إدخالها نهائيا، وتعصف الأمراض بالأسرى لسوء تهوية الزنازين والرطوبة العالية والرائحة العفنة التي تكتم أنفاسهم .
العيد خلف القضبان
ليس حتما كأي عيد في مكان آخر على سطح الأرض. فهو عيد يكسوه القهر والحرمان .. عيد يغتال الفرحة قبل أن تحاول الظهور وتقتنص مظاهر الابتهاج قبل أن تلوح في العيون. العيد كما قال عليان: هو عيد تقرره إدارة السجن، فتحدد موعد صلاة العيد وتؤخرها كما تشاء وتمنع اصطحاب الحلوى أو التمر أو أي شيء يبرهن أن هذا يوم عيد . وتختتم مسلسل العيد الحزين القاسي بعزل خطيب خطبة العيد في الزنازين وفرض غرامة مالية عليه. فأي عيد في الأسر؟؟ "
صفقة التبادل وأصداؤها خلف القضبان
يعلق الأسرى من ذوي الأحكام العالية والذين مضى على أسرهم أكثر من ربع قرن آمالا عريضة على صفقة التبادل المرتقبة ويرون فيها بارقة أمل للخلاص من الأسر وتخيل حياة اعتيادية خارجه . عليان يعقب على هذا قائلا: أحلام بالحرية والخروج من باستيلات القتل البطيء الصهيونية تحلق في نفوس الأسرى ولكن.. هل تتوفر النوايا الصادقة فعلا بشأن الأسرى؟ أم انه موضوع إعلامي محض؟؟".
ويضيف: ليس هذا تعليقي الشخصي، ولكنه قول يصدر عن الأسرى الذين كنت أحدهم قبل شهر، جبال من اللوم والعتاب لا تكفي تجاه الجميع من مسئولين ومختصين وعامة من أقارب أو تنظيمات أو فصائل جميعها مقصرة تجاه الأسرى .. جميعها لا تحتكم إلى الجدية أو السعي الصادق لتحريرهم .. جميعها تركتهم في الأسر، ولم تمارس أي جهد يذكر للتخفيف عنهم أو مواساة أسرهم في غيابهم .. جميعها أجبرت الأسير على وصف نفسه بالخيل الأصيل الذي يقتل بعد الاستفادة منه".
ويتابع: لسنا نستجدي شفقة أو عونا، فالقضية أكثر تعقيدا من مجرد بهرجة إعلامية تذوب مع مرور الوقت ويذوب معها عمرنا في السجون بدون أمل . الأمر يحتاج التحرك وعلى كافة الأصعدة، فمنذ عملية أسر الجندي شاليط والهدف منها تحرير بعضهم، أسرت قوات الاحتلال الصهيوني أضعاف ما ينوى الإفراج عنهم في الصفقة.
وقال: أتحدث بلسان الأسرى فأقول إن صفقة لا تشمل المرضى والمؤبدات ومن قضى أكثر من ربع قرن خلف القضبان لا داعي لها".
المرضى في الاسر
سجن شطة الصحراوي هو آخر سجن كان فيه عليان وحاله كحال بقية السجون من ناحية معاملة المرضى من الأسرى.
يقول عليان : حالات مرضية مزمنة وأخرى تحتاج إلى عمليات جراحية عاجلة تتفاقم أوضاعها يوما عن يوم ولا يقدم لها إلا المسكنات، فعلى سبيل المثال، الأسير جبارة الراضي من الخليل يعاني منذ أكثر من عام من آلام حادة في الكلى ويحتاج إلى عملية جراحية وتماطل إدارة السجن حتى في نقله إلى العيادة بعد أن يملأ السجن صراخا وعويلا".
ويضيف: ليس وحده يعاني بل هناك العشرات ولا تلقى لهم إدارة السجن بالا بل تزداد قسوة ووحشية كلما تستعصي المرض أو يستبد الألم بهم ".
وقال: حالات إنسانية يدمى لها الفؤاد مثل حال أسير اعتقل بعد زواجه بشهرين وها هو الآن يقبع في غرفة واحدة مع ابنه الذي أصبح في ال25 من عمره!."
يعجز عليان عن الإحاطة بالمعاناة ويؤكد أن ما ذكره لا يعدو النذر الضئيل لما يعيشه الأسرى وحالة الغليان في السجون ولكن يبقى الأمل في الخلاص والنجاة من مقومات الاستمرار لتبقى المعنويات محلقة والكرامة مصانة والمقاومة متأججة.