أبو العلاء المعري
ليس من المبالغة بحال ان نقرر ان شخصية اديب المعرة ورهين المحبسين ابي العلاء المعري من اكثر الشخصيات الادبية في تاريخ الادب العربي اثارة وثراءً وعمقاً في اللفظ والمعنى، ولقد اتاحت له سعة اطلاعه وحدة ذكائه وصفاء ذهنه ورحلاته العلمية ان ينفرد بصور ادبية )شعرية ونثرية( لم تكن مألوفة أو معروفة بين ادباء زمانه وتمثلت تلك الصور في إنتاجه الأدبي الغزير ك دواوينه )اللزوميات سقط الزند( ورسائله النثرية ك )رسالة الغفران رسالة الملائكة الفصول والغايات .. الخ( هذا الى جانب ما تميزت به هذه الشخصية الادبية الفريدة من غرابة الاطوار وتنكب المألوف من حياة الناس كإعراضه عن الزواج وامتناعه عن اكل الحيوان المباح وما يخرج منه، اعتمادا على نظرة فلسفية قحة قد لا تتواءم وواقع الحياة الانسانية وما فطر الله سبحانه وتعالى خلقه عليه من فطرة. على ان ابا العلاء المعري وان هبت الفلسفة برياحها على رواسي ادبه لم يكن بمعزل عن الحياة وشؤونها من حوله بل على النقيض من ذلك فلقد حاول ابو العلاء المعري في بدايات حياته وشبابه ان يندمج في تيار الحياة برغم فقدانه لنعمة البصر منذ طفولته المبكرة وان يكون فاعلاً ومتفاعلاً في زحام الحياة إلا أن حساسيته المفرطة ووحشية غريزته وتفكيره العميق المتصل بالاضافة الى آفته الطبيعية قد شكلت سداً منيعاً بينه وبين المجتمع وجعلته وهو الاديب المشهور ينادي من وراء جدران بيته بابياته الشهيرة:
أراني في الثلاثة من سجوني فلا تسأل عن الخبر النبيث)1(لفقدي ناظري ولزوم بيتيوكون الروح في الجد الحنيث)2(
إلا أن اعتزاله لمجتمعهم وابتعاده عن الاختلاط بالناس لم يكن مانعا له من أن يشمل المجتمع بنظرات عميقة نافذة تسلط على عيوب ومثالب هذا المجتمع وتكشف عما كان خافياً من أمراضه وادوائه، وعما يتردى فيه الكثير من الفئات الاجتماعية من علل وامراض اجتماعية لا تزال مثار الشكوى في كل زمان ومكان، ولعل من المناسب ان نعرض لحياة ابي العلاء المعري والعصر الذي عاش فيه قبل التعرض لصور الفساد الاجتماعي التي برزت في ادبيات ابي العلاء المعري)3(.
نشأته وحياته:
هو: أحمد بن عبدالله بن سليمان التنوخي نسبة الى تنوخ احدى قبائل اليمن ولد بالمعرة من أعمال حلب سنة 363ه لابوين فاضلين فقد كان ابوه من افاضل العلماء وجده قاضيا للمعرة، فلما بلغ الرابعة من عمره ذهب الجدري ببصره، ولما بلغ سن التعليم اخذ ابوه يلقنه علوم اللغة واللسان وتتلمذ بعد ذلك الى بعض علماء بلدته وفي سنة 392ه غادر المعرة الى بلاد الشام فزار مكتبة طرابلس واللاذقية ولما طوف ببلاد الشام عزم على الرحلة الى بغداد مقر العلم والعلماء ليدرس الحكمة والفلسفة، ولبث في بغداد زمنا بين اخذ وعطاء علمي ووجد في بغداد بيئة علمية صالحة فاخذت اراؤه تظهر وتذيع، وهناك اتصل ولاول مرة بجماعة «اخوان الصفا» وكانوا يلتقون كل يوم جمعة في دار احدهم فأثر اختلاطه بهم في ادبه وعقله، ولم تكد علاقاته تتوثق بالبغداديين حتى فوجئ بنعي امه وكان والده قد توفي قبلها، فأصيب بصدمة شديدة من هذا الحدث، ورجع الى المعرة سنة 400ه حيث اعتزل الناس إلا تلاميذه وقنع من الطعام بالنبات دون الحيوان ولم يتزوج وظل ذلك حاله حتى توفي سنة 449ه.)4 (عصر أبي العلاء:عايش ابو العلاء عصور التفكك والاضطراب في جسد الدولة الاسلامية الموحدة فلقد تفككت عرى الدولة العباسية وانقسم العالم الاسلامي الى دويلات صغيرة وان ظلت مرتبطة بالخلافة العباسية اسميا وروحيا على الأمل.
وقد كانت امارة حلب التي تتبعها المعرة عرضة للصراع بين الحمدانيين والفاطميين تارة وبين قبائل البدو والروم تارة اخرى)5(.
نشأته :
نشأ "أبو العلاء المعري" في أسرة مرموقة تنتمي إلى قبيلة "تنوخ" العربية، التي يصل نسبها إلى "يَعرُب بن قحطان" جدّ العرب العاربة.
ويصف المؤرخون تلك القبيلة بأنها من أكثر قبائل العرب مناقب وحسبًا، وقد كان لهم دور كبير في حروب المسلمين، وكان أبناؤها من أكثر جند الفتوحات الإسلامية عددًا، وأشدهم بلاءً في قتال الفرس.
وُلد أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان في بلدة "معرَّة النعمان" من أعمال "حلب" بشمال "سوريا" في (27 من ربيع الأول 363هـ = 26 من ديسمبر 1973م).
ونشأ في بيت علم وفضل ورياسة متصل المجد، فجدُّه "سليمان بن أحمد" كان قاضي "المعرَّة"، وولي قضاء "حمص"، ووالده "عبد الله" كان شاعرًا، وقد تولى قضاء المعرَّة وحمص خلفًا لأبيه بعد موته، أمَّا أخوه الأكبر محمد بن عبد الله (355 - 430هـ = 966 – 1039م) فقد كان شاعرًا مُجيدًا، وأخوه الأصغر "عبد الواحد بن عبد الله" (371 – 405هـ = 981 - 1014م) و كان شاعرًا أيضًا.
محنة في محنة
لم يكد أبو العلاء يبلغ الرابعة من عمره حتى أصيب بداء الجدري ..وتسبب في فقده لبصره ..ليبدأ أبو العلاء قصة الصراع والتحدي مع الحياة .. ويحزن الأب فقد كلن يتمنى لولده السعادة في حياته ,, ونجده قد أقبل على ولده لعله يعوضه عن فقد بصره .فظل يرعاه ويلقنه العلم والأدب ويقوده إلى حب الناس والحياة ..ولم يكتف القدر بما أصاب أبا العلاء فقد كان قبيحاً دميم الوجه .. يتلقى سخرية رفقائه وهو صابر لايستسلم ,, ويذهب به والده ‘إلى الشيوخ (( المعرة )) بدته.. فيقرأ القرآن الكريم ويحفظه وهو في سن مبكرة ويستمع إلى أحاديث الرسول (ص) ويلفت ذكاء الطفل علماء وشعراء المعرة ويدرب ذاكرته على الحفظ حتى اشتهر وهو صبي بملكة الحفظ والذكاء ...
وكان أبو العلاء يفخر بهده الملكة ويقول :-
ماسمعت شيئا إلا حفظته .. وما حفظت شيئا ونسيته ...
ولكن هذا البلاء على قسوته، وتلك المحنة على شدتها لم تُوهِن عزيمته، ولم تفُتّ في عضده، ولم تمنعه إعاقته عن طلب العلم، وتحدي تلك الظروف الصعبة التي مرَّ بها، فصرف نفسه وهمته إلى طب العلم ودراسة فنون اللغة والأدب والقراءة والحديث.
فقرأ القرآن على جماعة من الشيوخ، وسمع الحديث عن أبيه وجدِّه وأخيه الأكبر وجدَّتِه "أم سلمة بنت الحسن بن إسحاق"، وعدد من الشيوخ، مثل: "أبي زكريا يحيى بن مسعر المعري"، و"أبي الفرج عبد الصمد الضرير الحمصي"، و"أبي عمرو عثمان الطرسوسي".
وتلقَّى علوم اللغة والنحو على يد أبيه وعلى جماعة من اللغويين والنحاة بمعرَّة النعمان، مثل: "أبي بكر بن مسعود النحوي"، وبعض أصحاب "ابن خالوية".
وكان لذكائه ونبوغه أكبر الأثر في تشجيع أبيه على إرساله إلى "حلب" – حيث يعيش أخواله – ليتلقى العلم على عدد من علمائها، وهناك التقى بالنحوي "محمد بن عبد الله بن سعد" الذي كان راوية لشعر "المتنبي"، ومن خلاله تعرَّف على شعر "المتنبي" وتوثقت علاقته به.
ولكن نَهَم "أبي العلاء" إلى العلم والمعرفة لم يقف به عند "حلب"، فانطلق إلى "طرابلس" الشام؛ ليروى ظمأه من العلم في خزائن الكتب الموقوفة بها، كما وصل إلى "أنطاكية"، وتردد على خزائن كتبها ينهل منها ويحفظ ما فيها.
وقد حباه الله تعالى حافظة قوية؛ فكان آية في الذكاء المفرط وقوة الحافظة، حتى إنه كان يحفظ ما يُقرأ عليه مرّة واحدة، ويتلوه كأنه يحفظه من قبل، ويُروى أن بعض أهل حلب سمعوا به وبذكائه وحفظه – على صغر سنه – فأرادوا أن يمتحنوه؛ فأخذ كل واحد منهم ينشده بيتًا، وهو يرد عليه ببيت من حفظه على قافيته، حتى نفد كل ما يحفظونه من أشعار، فاقترح عليهم أن ينشدوه أبياتًا ويجيبهم بأبيات من نظمه على قافيتها، فظل كل واحد منهم ينشده، وهو يجيب حتى قطعهم جمعيًا... وتردد على مكتبة فيها ,, وكان أمين المكتبة يتعجب من أمر هذا الصبي فاقد البصر فهو يأتي كل يوم ويطلب منه أن يقرأ له في كتب المكتبة ... وقد رحل أيو العلاء يوما ً إلى انطاكية في تركيا .. وتردد على مكتبة فيها ,, وكان أمين المكتبة يتعجب من أمر هذا الصبي فاقد البصر فهو يأتي كل يوم ويطلب منه أن يقرأ له في كتب المكتبة ... ثم بعد أن ينتهي من القراءة يجلس أبو العلاء فيعيد عليه ماقرأه جميعا حرفا ولايخطئ في شي ولايقف لحظة واحدة ..
ويحطى عنه ان رجلا من اليمن وجد كتابا في اللغة تنقصه بعض الأوراق ولم يستطع
أ نيعرف اسم الكتاب .. فأشاروا عليه بلقاء أبو العلاء المعري فسافر الرجل إلى الشام حتى وصل إلى المعرة وقرأ عليه شيئا من الكتاب ...ودهش الرجل حينما قال له أبو العلاء :
هذا الكاتب اسمه كذا ومؤلفه فلان بن فلان ثم ظل أبو العلاء يملي على الرجل من ذاكرته مانقص من الأوراق حتى بلغ الأوراق التي معه وأكملت بذلك نسخة الكتاب .
وأعجب ماروى عنه في هذا المجال ..ماقصه أحد تلاميذه قال:
-إنه كان يجلس بين يدي أبي العلاء في مسجده بمعره النعمان ..يقراً شيئا عليه فدخل المسجد صديق قديم للتلميذ أبا العلاء في القيام للتحدث م عصديقه .. فأذن له أبو العلاء ...
وأحخذ التلميذ يكلم صديقه بلغة غير عربيه بعض الوقت .. ولما رجع التلميذ إلى أبي العلاء سأله :بأي لسان كنتما تتكلمان ؟ قال التلميذ :كنا نتكلم بلسا نأهل أذربيجان .. فقال أبو العلاء : والله ماعرفت اللسان ولافهمته .. لكني حفظت مادار بينكما .. ثم أعاد أبو العلاء ما قالاه بدقة بدقة لايزيد عليه ولاينقص منه ! هكذا درب أبو العلاء ذاكرته على الحفظ حتى هذه اللغات التي لم يكن يعرف منها حرفاً واحداً .. متحدياً قدراته ..طارحاً وراء ظهره عجزه عن رؤية الناس بل كان يعزي نفسه عن فقد بصره فيقول : أنا أحمد الله على العمى كما يحمده غيري على البصر فقد كفاني رؤية الثقلاء البغضاء .. بهذه الروح الساخرة أقبل أبو العلاء على الحياة .. يفتح لها ذراعيه .. وقلبه وعقله يتخطى محنته ويخوض كل مجال فيتفوق فيه على المبصرين أنفسهم ويرفض الإشفاق و العون أو الوصاية من أحد وهو يقول في ذلك :
ومالي لاأكون وصي نفسي ولاتعصي أموري الأوصياء
بل بلغ من نزعة التحدي والعناد في خوض كل طريق صعب .. انه استطاع في صباه أن يمارس ويتقن فنون اللعب .. فقد شوهد في صباه يلعب الشطرنج والنرد ويمارس كل في من الجد والهزل فيقول :
قالوا : العمى منظر قبييح قلت : بفقدانكم يهون
والله مافي الوجود شيئ تأسى على فقد ه العيون
وهي شهادة صادقة على طموحه وتحديه وقوة إرادته .. وإصراره على الحياة واعتماده على نفسه ..لم يستسلم أبو العلاء لمحنته القاسية بل وجه قدراته إلى طلب العلم فهو ظمآن إليه لا يرتوي أبداً .. جائع لايشبع ..
ويعلن ذلك في قوله :
- إنما انا رجل بلي بالصدى –أي العطش- لا يجد أبداً مورده .. فهو ظمآن أبداً.
ولم تزده سخرية الناس منه إلا قرباً منه إليهم ..فلم ينعزل عنهم بل كان يجلس إليهم ويشارك بأشعره وآرائه في تسجيل أحداث عصره ..
بين اليأس والرجاء
عاد "أبو العلاء" إلى "معرة النعمان" بعد أن قضى شطرًا من حياته في "الشام" يطلب العلم على أعلامها، ويرتاد مكتباتها.
وما لبث أبوه أن تُوفي، فامتحن أبو العلاء باليُتم، وهو ما يزال غلامًا في الرابعة عشرة من عمره، فقال يرثي أباه:
رماحُ المنايا قادراتٍ على الطعْنِ أبي حكمت فيه الليالي ولم تزل
وسُهد المنى والجيب والذيل والرُّدْنِ مضى طاهرَ الجثمانِ والنفسِ والكرى
وبعد وفاة أبيه عاوده الحنين إلى الرحلة في طلب العلم، ودفعه طموحه إلى التفكير في الارتحال إلى بغداد، فاستأذن أمه في السفر، فأذنت له بعد أن شعرت بصدق عزمه على السفر، فشد رحاله إليها عام (398هـ = 1007م).
نجم يسطع في سماء "بغداد"
واتصل "أبو العلاء" في بغداد بخازن دار الكتب هناك "عبد السلام البصري"، وبدأ نجمه يلمع بها، حتى أضحى من شعرائها المعدودين وعلمائها المبرزين؛ مما أثار عليه موجدة بعض أقرانه ونقمة حساده، فأطلقوا ألسنتهم عليه بالأقاويل، وأثاروا حوله زوابع من الفتن والاتهامات بالكفر والزندقة، وحرّضوا عليه الفقهاء والحكام، ولكن ذلك لم يدفعه إلى اليأس أو الانزواء، وإنما كان يتصدى لتلك الدعاوى بقوة وحزم، ساخرًا من جهل حساده، مؤكدًا إيمانه بالله تعالى ورضاه بقضائه، فيقول تارة:
وبحمدِ خالقِها غريتُ غَرِيَتْ بذمِّي أمةٌ
ـتُ، ومن بريته برِيتُ وعبدتُ ربِّي ما استطعـ
ويقول تارة أخرى:
أمةٌ يحسبونهم للنفادِ خُلِقَ الناسُ للبقاء فضلَّت
لٍ إلى دار شقوة أو رشادِ إنما ينقلون من دار أعما
ولم يكن أبو العلاء بمعزل عن المشاركة في الحياة الاجتماعية والفكرية في عصره؛ فنراه يشارك بقصائده الحماسية في تسجيل المعارك بين العرب والروم، كما يعبر عن ضيقه وتبرمه بفساد عصره واختلال القيم والموازين فيه، ويكشف عن كثير مما ظهر في عصره من صراعات فكرية ومذهبية، كما يسجل ظهور بعض الطوائف والمذاهب والأفكار الدينية والسياسية.
وقد عرف له أهل بغداد فضله ومكانته؛ فكانوا يعرضون عليه أموالهم، ويلحُّون عليه في قبولها، ولكنه كان يأبى متعففًا، ويردها متأنفًا، بالرغم من رقة حالة، وحاجته الشديدة إلى المال، ويقول في ذلك:
لى يفيضُ عليَّ رزقي لا أطلبُ الأرزاقَ والمو
ـلم أنَّ ذلك فوق حقي إن أُعطَ بعضَ القوتِ أعـ
وكان برغم ذلك راضيًا قانعًا، يحمد الله على السراء والضراء، وقد يرى في البلاء نعمة تستحق حمد الخالق عليها فيقول:
"أنا أحمد الله على العمى، كما يحمده غيري على البصر".
رسالة الغفران
لم يطل المقام بأبي العلاء في بغداد طويلاً؛ إذ إنه دخل في خصومة مع "المرتضي العلوي" أخي "الشريف الرضي"، بسبب تعصب "المعري" للمتنبي وتحامل المرتضي عليه؛ فقد كان أبو العلاء في مجلس المرتضي ذات يوم، وجاء ذكر المتنبي، فتنقصه المرتضي وأخذ يتتبع عيوبه ويذكر سرقاته الشعرية، فقال أبو العلاء: لو لم يكن للمتنبي من الشعر إلا قصيدته: "لك يا منازل في القلوب منازل" لكفاه فضلاً.
فغضب المرتضي، وأمر به؛ فسُحب من رجليه حتى أُخرج مهانًا من مجلسه، والتفت لجلسائه قائلاً: أتدرون أي شيء أراد الأعمى بذكر تلك القصيدة؟ فإن للمتنبي ما هو أجود منها لم يذكره. قالوا: النقيب السيد أعرف! فقال: إنما أراد قوله:
فهي الشهادة لي بأنِّي كامل وإذا أتتك مذمَّتي من ناقص
وفي تلك الأثناء جاءت الأخبار إلى أبي العلاء بمرض أمه، فسارع بالرجوع إلى موطنه بعد نحو عام ونصف العام من إقامته في بغداد.
العودة إلى الوطن
غادر أبو العلاء بغداد في (24 من رمضان 400 هـ = 11 من مايو 1010م)، وكانت رحلة العودة شاقة مضنية، جمعت إلى أخطار الطريق وعناء السفر أثقال انكسار نفسه، ووطأة همومه وأحزانه، وفي أثناء عودته رأى ابي العاء في منامه أن احد أضراسه الأربعة قد سقط . وحينما صحا من نومه تذكر ان امه مريضة لكنه أبعد هذا الامر الخطير عن خاطره ورفض تفسير الحلم بالتشاؤم . وعندما وصل أبو العلاء إلى بلدته كانت هناك مفاجأة قاسية في انتظاره.. لقد تُوفِّيت أمه وهو في طريق عودته إليها.
ورثاها أبو العلاء بقصيدة تقطُر لوعة وحزنًا، وتفيض بالوجد والأسى. يقول فيها:
أسباب دنياكِ من أسباب دنيانا لا بارك الله في الدنيا إذا انقطعت
ولزم داره معتزلاً الناس، وأطلق على نفسه "رهين المحبسين"، وظلَّ على ذلك نحو أربعين عامًا، لم يغادر خلالها داره إلا مرة واحدة، عندما دعاه قومه ليشفع لهم عند "أسد الدولة بن صالح بن مرداس" - صاحب حلب - وكان قد خرج بجيشه إلى "المعرة" بين عامي (417،418هـ = 1026،1027م)؛ ليخمد حركة عصيان أهلها، فخرج أبو العلاء، متوكئا على رجُل من قومه، فلما علم صالح بقدومه إليه أمر بوقف القتال، وأحسن استقباله وأكرمه، ثم سأله حاجته، فقال أبو العلاء:
سَتِير العيوب فقيد الحسد قضيت في منزلي برهةً
وهمَّ لروحي فراق الجسد فلما مضى العمر إلا الأقل
وذاك من القوم رأي فسد بُعثت شفيعًا إلى صالح
وأسمع منه زئير الأسد فيسمع منِّي سجع الحمام
فقال صالح: بل نحن الذين تسمع منَّا سجع الحمام، وأنت الذي نسمع منه زئير الأسد. ثم أمر بخيامه فوضعت، ورحل عن "المعرة".
أبو العلاء النباتي
وكان أبو العلاء يأخذ نفسه بالشدة، فلم يسع في طلب المال بقدر ما شغل نفسه بطلب العلم، وهو يقول في ذلك:
"وأحلف ما سافرت أستكثر من النشب، ولا أتكثر بلقاء الرجال، ولكن آثرت الإقامة بدار العلم، فشاهدت أنفس مكان لم يسعف الزمن بإقامتي فيه".
ويُعدُّ أبو العلاء من أشهر النباتيين عبر التاريخ؛ فقد امتنع عن أكل اللحم والبيض واللبن، واكتفى بتناول الفاكهة والبقول وغيرها مما تنبت الأرض.
وقد اتخذ بعض أعدائه من ذلك المسلك مدخلاً للطعن عليه وتجريحه وتسديد التهم إليه، ومحاولة تأويل ذلك بما يشكك في دينه ويطعن في عقيدته.
وهو يبرر ذلك برقة حاله وضيق ذات يده، وملاءمته لصحته فيقول:
"ومما حثني على ترك أكل الحيوان أن الذي لي في السنة نيِّفٌ وعشرون دينارًا، فإذا أخذ خادمي بعض ما يجب بقي لي ما لا يعجب، فاقتصرت على فول وبلسن، وما لا يعذب على الألسن.. ولست أريد في رزقي زيادة ولا لسقمي عيادة".
وعندما كثر إلحاح أهل الفضل والعلم على أبي العلاء في استزارته، وأبت به مروءته أن يرد طلبهم أو يقطع رجاءهم، وهم المحبون له، العارفون لقدره ومنزلته، المعترفون بفضله ومكانته؛ فتح باب داره لا يخرج منه إلى الناس، وإنما ليدخل إليه هؤلاء المريدون.
فأصبح داره منارة للعلم يؤمها الأدباء والعلماء، وطلاب العلم من كافة الأنحاء، فكان يقضي يومه بين التدريس والإملاء، فإذا خلا بنفسه فللعبادة والتأمل والدعاء.
وكما لم تلن الحياة لأبي العلاء يومًا في حياته، فإنها أيضًا كانت قاسية عند النهاية؛ فقد اعتلّ شيخ المعرَّة أيامًا ثلاثة، لم تبق من جسده الواهن النحيل إلا شبحًا يحتضر في خشوع وسكون، حتى أسلم الروح في (3 من ربيع الأول 449هـ = 10 من مايو 1057م) عن عمر بلغ 86 عامًا.
آثاره أبي العلاء
وقد ترك أبو العلاء تراثًا عظيمًا من الشعر والأدب والفلسفة، ظل موردًا لا ينضب للدارسين والباحثين على مر العصور، وكان له أكبر الأثر في فكر وعقل كثير من المفكرين والعلماء والأدباء في شتى الأنحاء، ومن أهم تلك الآثار:
- رسالة الغفران: التي ألهبت خيال كثير من الأدباء والشعراء على مَرِّ الزمان، والتي تأثر بها "دانتي" في ثُلاثيته الشهيرة "الكوميديا الإلهية".
- سقط الزند: وهو يجمع شعر أبي العلاء في شبابه، والذي استحق به أن يوصف بحق أنه خليفة المتنبي.
- لزوم ما لا يلزم (اللزوميات)، وهو شعره الذي قاله في كهولته، وقد أجاد فيه وأكثر بشكل لم يبلغه أحد بعده، حتى بلغ نحو (13) ألف بيت.
- الفصول والغايات (في تمجيد الله والمواعظ).
- عبث الوليد: وهو شرح نقدي لديوان "البحتري".
- معجز أحمد: وهو شرح ديوان "أبي الطيب المتنبي".
- رسالة الملائكة.
- رسالة الحروف.
- الرسالة الإغريضية.
- الرسالة المنيحية
أقوال قيلت تفي أبي العلاء المعري :-
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء 18 / 23 :
أبو العلاء : هو الشيخ العلامة ، شيخ الآداب ، أبو العلاء ، أحمد بن عبد الله بن سليمان ... ، القحطاني ، ثم التنوخي المعري الاعمى ، اللغوي ، الشاعر ، صاحب التصانيف السائرة ، والمتهم في نحلته .
ولد في سنة ثلاث وستين وثلاث مئة .
وأضر بالجدري وله أربع سنين وشهر ، سالت واحدة ، وابيضت اليمنى ، فكان لا يذكر من الالوان إلا الاحمر ، لثوب أحمر ألبسوه إياه وقد جدر ، وبقي خمسا وأربعين سنة لا يأكل اللحم تزهدا فلسفيا .
وكان قنوعا متعففا ، له وقف يقوم بأمره ، ولا يقبل من أحد شيئا ، ولو تكسب بالمديح ، لحصل مالا ودنيا ، فإن نظمه في الذروة ، يعد مع المتنبي والبحتري .
وقال ابن حجر في لسان الميزان 1 / 203 : احمد بن عبد الله بن سليمان أبو العلاء المعري اللغوي الشاعر ، روى جزأ عن يحيى بن مسعر عن آبي عروبة الحراني له شعر يدل على الزندقة سقت اخباره في تاريخ الكبير انتهى . ... قال السلفي من عجيب رأى آبي العلاء تركه تناول كل مأكول لا تنبته الأرض شفقة على الحيوانات حتى نسب إلى التبرهم ، وانه يرى رأى البراهمة في إثبات الصانع وإنكار الرسل ، وفي شعره ما يدل على هذا المذهب ، وفيه ما يدل على غيره وكان لا يثبت على نحلته ، ولا يبقى على قانون واحد ، بل يجري مع القافية إذا حصلت ... .
م ن ق و ل