![]() |
فتنت الغرب أعظم فتنه شهدها العالم تأويل نبوءة المسيح الدجال1 في نبوءة المسيح الدجال تشير الأحاديث إلى أنه سيظهر رجل أعور متنافر الملامح مكتوب بين عينيه كافر يدعي الألوهية ويخلط الناس بينه وبين الله . يخرج من غضبة يغضبها ، ويكون خروجه من خراسـان ، ويتبعه سبعون ألفـاً من يهود أصفهـان ، ويكون لـه خروج من خلة ( فتحة أو منفذ ) بين العراق والشام فيعيث يميناً وشمالاً . وقد أشارت الأحاديث إلى أن خروجه يكون بعد فتح القسطنطينية . هذا الرجل سيثير أعظم فتنة منذ خلق آدم إلى قيام الساعة . يأتيه الرجل وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه لكثرة ما يثيره من الشبهات . فتنته شديدة على النساء ، حتى أن الرجل يعمد إلى أمه وابنته وأخته وعمته فيوثقهن مخافة أن يخرجن إلى الدجـال . معه ماء ونار أو نهران أو واديـان يفتن بهما الناس ، أحدهما جنته والآخر نـاره ، وقد أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمنين بدخول النار وتجنب الجنة . يأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت ، ويمر بالأراضي الخربة فيقـول لها أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كمجموعات النحل . يحيي بعض الموتى . من فتنته أنه يركب حمـاراً بين أذنيه أو ذراعيه أربعين ذراعاً . سرعته كالغيث استدبرته الريح ، ويطوي الأرض كطي الفروة ، ويمكث في الأرض أربعين يومـاً ، وهذه الأيام كالسنة ثم كالشهر ثم كالجمعة ثم كاليـوم . يطأ كل البقـاع عدا مكة وطرقات المدينة . معه أنهار ماء وجبال خبز ، ويمر بأهل الحي فيكذبونه فتسوء أحوالهم وأحوال أراضيهم وماشيتهم ويمر بأهل الحي فيصدقونه فتتحسن أحوالهم وأحوال أراضيهم وماشيتهم . بنو تميم هم أشد الناس عليه . لا يعرفه الناس ولا يتم اكتشاف أمره ( أي اكتشاف أنه المسيح الدجال الذي حذر الرسول من فتنته ) إلا بعد حدوث الفتنة وبلوغها أقصى مداها ، وقد بشر الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين بأنهم سيغزونه ويفتحونه ([1]). فهل يمكن أن تكون هذه الصورة صورة حقيقية أم أنها صورة تمثيلية وتشبيهية ؟!. الذين يقبلون الأحاديث ولا ينازعون في صحتها وموثوقيتها يرون أن الصورة حقيقية ، أما بحسب المنهج الذي نطرحه في فهم الغيب الدنيوي فنحن نعتقد أن النبوءة تعـد مثالاً للتصوير التقريبي والتشبيهي ، وذلك بحكم حديثها عن شكل حياة مستقبلي شديد الاختـلاف عن شكل الحياة في عصر الرسالة ، إضافة إلى إخبارها عن أعظم فتنة تشهدها الأرض . وكما ذكرنا فإنه كلما اشتد تغير شكل الحياة وكلما تعلق موضـوع النبوءات بالفتن فإن الأمر يستدعي تكثيف درجة الرمزية والتقريب والتشبيه ، وذلك لتمكين أهل عصر الرسالة ومن تلاهم من تخيل واستيعاب الأمور المستقبلية الجديدة ، وللحفاظ على الطابع الغيبي للأحداث والصور المستقبلية ، ولعدم إجهاض موضوع النبوءة ( الفتنة أو الاختبار والامتحان ) . وفي ضوء ذلك فإننا لا نتردد في الزعم بأن المسيح الدجال هو " الغرب الحديث " أو " الحضارة الغربية " بحسب التسمية الشائعة لدى الناس . ومثلما نبهنا إلى الأهداف والطبيعة الخاصة التي تم في إطـارها تناول نبوءة قرن الشيطان ، فإننا ننبه هنا أيضاً إلى أننا لا نسعى إلى الحديث عن الماضي ولا نسعى إلى إعادة تقييم التجربة النهضوية الغربية ، بل نسعى إلى إحداث قطيعة معرفية مع جوانبها الثقافية السلبية كما هي متجسدة في اللحظة الراهنة . نسعى إلى استبعاد هذه الجوانب ونشر رؤية جديدة مختلفة . وهذه هي الزاوية التي ينبغي النظر من خلالها إلى نبوءة المسيح الدجال . إن ورود نبوءة موسعة تتحدث عن التجربة النهضوية الغربية لا يعني إطلاق حكم سلبي على عموم تلك التجربة في كل مراحلها ، فهي أعظم التجارب البشرية على الصعيد المادي وعلى صعيد تطوير أوضاع وقدرات الإنسان ، ولكن الأمر يعود إلى متطلبات الإصلاح والتغيير في اللحظة التي نعيشها . هذه اللحظة تشهد تعاظماً واتساعاً وتجدداً للجوانب السلبية في تلك التجربة ، أما جوانبها الإيجابية فقد سبق أن تحققت وترسخت واستنفذت قواها منذ أمد بعيد وأصبحت تعطي نتائجها بصورة شبه آلية . ومن هنا فإننا لن نعنى بعرض الجوانب الإيجابية في تلك التجربة ولن ننظر إلى أوضاعها قبل قرنين من الزمان أو قبل قرن أو قبل بضعة عقود ، بل سنهتم بأوضاعها خلال اللحظة الراهنة ، وسنسعى إلى إحداث قطيعة معرفية مع جوانبها السلبية بغية التبشير برؤية ثقافية مختلفة . لنبدأ بالروايات والآثار التي تبدو مؤيدة ومرجحة للتفسير اللغوي المباشر لنبوءة المسيح الدجال ، ومن ذلك الروايات التي أشارت إلى إقرار الرسول صلى الله عليه وسلم لما ذكره تميم الداري من أنه رأى المسيح الدجال مقيداً في إحدى الجزر ([2]). وفي تقديرنا فإن هناك أحد احتمالين لهذه الروايات : الاحتمال الأول : أنها روايات غير صحيحة . ويؤيد هذا الاحتمال أن فيها الكثير من العلل التي تقدح في صحة مضمونها وموثوقيته ، فهي تخالف الكثير مما أثبته العلم ويقبله العقل وليس في لغتها ولا في مضامينها ما ينتمي إلى لغة ومضامين الوحي ، بل تفوح منها رائحة الأسطورة ، وتناقض ما صرح به القـرآن الكريم من أن الغيب لا يعلمه إلا الله ، وبحسب القصة فإن تميم ومن معه اطلعوا على الغيب دون غيرهم ، كما أن الدجال يعلم الغيب وقد تحدث لتميم ومن معه عن أحوال العرب والرسول وأحواله هو - أي الدجال - حين يخرج ، في حين أن القرآن الكريم أكد أنه حتى الرسل لا يعلمون الغيب . هذه القصة تناقض سنن الله في الخلق وسننه في المعجزات ، فهذا العمر الطويل للدجال والحبس والأصفاد والقيود في جزيرة معزولة على مدى أكثر من ألف وأربعمائة عام دون إيضاح لكيفية أكل الدجال وشربه ونموه . كل هذا يناقض سنن الله في الخلق وسننه في المعجزات التي لا تعطى للدجال وأمثاله ولا تسخر للإلحاد والإضلال . ولا مجال لقياس وضع الدجال على وضع عيسى عليه السلام أو الخضر ، فالدجال ليس من أهل المعجزات بل هو وأمثاله من المحرومين من المعجزات وممن تسلط عليهم المعجزات . هذه القصة تخالف أيضاً ما ورد في الأحاديث من أنه لن يبقى من الأحياء في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم أحد بعد مضي قرن من الزمان ([3]) ، بالإضافة إلى أنه يفترض أن القصة رويت في المسجد بحسب ما ورد في الروايـات ، ولو صح ذلك لشاعت بين الصحابة ولكثر ناقلوها عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، بحكم ما فيها من غرائب وإثارة وقابلية للالتصاق بالخيال والذاكرة ، وبحكم الكلام عنها في المسجد بوجود أكبر حشد من المسلمين ، في حين أنه لا مصدر للقصة في أكثر الروايات موثوقية سوى امرأة وحيدة هي فاطمة بنت قيس ، وإن كان هناك آخرين وردوا في روايات أقل موثوقية وقبولاً . الاحتمال الثاني : أن الروايات صحيحة والقصة صحيحة . وهنا ستبقى كل العلل المتعلقة بالمضمون قائمة ومطروحة إلا في حالة واحدة ، وهي حالة ما إذا كان الأمر يتعلق بكرامة هيأها الله لتميم ويسرها له ، بحيث تمثل الدجال من خلال الصورة التي رواها تميم ، وذلك لهدايته إلى الإسلام ولينقل تلك الحادثة للصحابة ولعموم المسلمين فتترسخ لديهم صورة الدجال ويكونون على حذر دائم من فتنته . وهذه الكرامة تشابه الحالات التي تمثل فيها جبريل للصحابة على هيئة رجل . أي أنه يمكن ككرامة من الله أن يكون قد تم تمثيل الدجال على هيئة رجل مقيد في إحدى الجزر ، وأن الأمر تحقق على النحو الذي رواه تميم . وهنا لا تكون القصة مصادمة للعلم ولا للعقل وليس فيها ما ينقض قاعدة الاختصاص الإلهي بعلم الغيب ، سواء بالنسبة لتميم أو بالنسبة لإخبار الدجال عن أحوال العرب والرسول وأحواله هو حين يخرج ، طالما أن الأمر يعود لكرامة هيأها الله لتميم وأن ما رآه ليس الدجال الحقيقي بل الحادثة التي تمثلت له ككرامة من الله بمثل ما تمثل جبريل للصحابة على هيئة رجل . هذا هو الاحتمال الوحيد الذي يمكن أن يرفع معظم علل القصة ، وإن كانت العلة المتعلقة بالسند تبقى قائمة . وهنا يمكن أن نفهم سبب قلة رواة القصة على الرغم من غرابتها والإخبار عنها في المسجد بأنه يعود لتحوط معظم جامعي الأحاديث وتشككهم حيالها بالنظر إلى مضامينها ولغتها وتفاصيلها التي لم تكن تفهم في إطار الصورة التشبيهية التي يمكن أن تكون قد تهيأت لتميم ككرامة من الله بل كانت تفهم في إطار الصورة الحقيقية للدجال . ومن جانب آخر فقد شك بعض الصحابة في أن الدجال هو ابن صياد اليهودي ، وراقبه الرسول صلى الله عليه وسلم وتأمل حاله ([4]). وهذا يمكن أن يُفهم منه أن الرسول كان يعتقد أن الدجال سيكون رجلاً . وتعليقنا على ذلك هو أنه لا يعلم الغيب لا نبي مرسل ولا ملك منـزل . ورغم ذلك فإننا نميز بين موقف الرسول من ابن صياد وموقف الصحابة منه . فالرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكن - حسب اعتقادنا - أن يكون قد شك في ابن صياد . إذ كيف يمكن أن يشك في رجل مولود وموجود في المدينة وهو الذي أخبر أن المدينة محرمة على الدجال وأنه لا يطأ نقابها ( طرقاتها ) وأنه سيخرج من خراسان ومن فتحة بين الشام والعراق وسيكون خروجه من غضبة يغضبها ، كما أخبر أن المسلمين سيغزونه ويفتحونه ؟!. نحن نفهم موقف الرسول صلى الله عليه وسلم على أنه تشريع للموقف الذي ينبغي اتخاذه بشأن الصورة الحرفية التي تنبئ عنها الأحاديث ، حيث ينبغي إخضاعها للفحص والتأمل والتدقيق . وإن قلنا بغير ذلك فنحن ننسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم عدم العلم بالدلالات الواضحة للكثير من الأحاديث التي ورد فيها ذكر الدجال . أما بعض الصحابة الذين شكوا في ابن صياد فإن موقفهم يدل على أن الأحاديث الواردة بشأن الدجال كانت أحاديث آحاد متفرقة لديهم ، وإلا فإن التساؤل الذي طرحناه بشأن موقف الرسول صلى الله عليه وسلم يثور بصورة جزئية بشأن موقفهم . إذ كيف يمكن الشك في ابن صياد بينما الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أن المدينة محرمة على الدجال وأنه لا يطأ نقابها ( طرقاتها ) وأنه سيخرج من خراسان ...... الخ ؟!. نأتي الآن إلى الوصف التفصيلي الذي ورد في الأحاديث بشأن ملامح المسيح الدجال ، حيث وصف بأنه رجل بعين واحدة وشعر مجعد وجبهة ورجلين متباعدتين ولون أبيض وذهاب ومجيء وكلام ، حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم شبههه بعبدالعزى بن قطن ، وهو رجل مات في الجاهلية . فهل يسوغ مع وجود هذا الوصف التفصيلي صرف المعنى إلى الغرب الحديث أو التجربة النهضوية الغربية ؟!. المسألة هنا ترتبط بقضيتين : الأولى هي ما إذا كان منهج الرمز والمجاز وارداً بشأن قضايا الغيب الدنيوي أم لا ؟. وقد عرضنا الأدلة العقلية والشرعية التي تؤكد منطقية ومشروعية هذا المنهج ، وذلك رغم أننا نقر بمحاذيره وصعوباته ومنزلقاته ، وهي أمور سنناقشها لاحقاً . وإذا كان وارداً بموجب نصوص القرآن تشبيه رجل بالشمس وتشبيه امرأة بالقمر وتشبيه إخوة بالنجوم والرمز لوظيفة السقاية بعصر الخمر والرمز لحادثة الصلب بأكل الطير للخبز المحمول فوق الرأس وتشبيه السنوات المطيرة بالبقرات السمان والسنبلات الخضر وتشبيه السنوات المجدبة بالبقرات العجاف والسنبلات اليابسات ، فلماذا لا يصح تشبيه الغرب الحديث برجل ؟! إذا كان وارداً بموجب نصوص القرآن الكريم تشبيه الجنين في بطن أمه بالنطفة والعلقة والمضغة وتشبيه صورة الجبال بما في ذلك جذورها بالأوتاد ، فلماذا لا يصح تشبيه الغرب الحديث برجل ؟! إذا كان وارداً بموجب أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم تشبيه مجموعات من البشر يظهرون من المشرق في آخر الزمان ويقضى عليهم ثم يظهرون ويقضى عليهم ثم يظهرون ويقضى عليهم بقرن الشيطان الذي يظهر ثم يقطع ثم يظهر ثم يقطع ثم يظهر ثم يقطع ، فلماذا لا يصح تشبيه الغرب الحديث برجل ؟. بل إذا كان مقبولاً في ثقافتنا وفي الثقافة الغربية إطلاق مسمى " الرجل " المريض على الدولة العثمانية في آخر أطوارها ، فلماذا لا يصح تشبيه الغرب الحديث برجل ؟! قد يتم الاحتجاج بأنه إذا كان مقبولاً القول بوجود الأمثلة والتشبيهات فيما يتعلق بشكل الحياة ، باعتبار أنه اختلف كثيراً عما كان عليه الأمر في عصر الرسالة ، فإنه ليس من المقبول القول بوجود تلك الأمثلة والتشبيهات على مستوى الشخصيات ، لعدم وجود ما يقتضي ذلك ، فطبيعة البشر لم ولن تختلف مثلما حدث بالنسبة لشكل الحياة . وردنا على ذلك هو أننا نسلم بأن طبيعة البشر لم ولن تختلف ، إلا أن الذي اختلف هو ظهور الشخصيات الاعتبارية ( الدول ، الشركات ، المؤسسات ، المنظمات ) التي لا يوجد صورة تقريبية أكثر تعبيراً عنها من الأشخاص الطبيعيين . ولو تأملنا شخصية المسيح الدجال لوجدنا أنها شخصية غير طبيعية بأي مقياس من المقاييس ، فقدراتها وأفعالها لا تتجاوز فقط القدرات والأفعال الطبيعية للبشر ، بل تتجاوز حتى القدرات والأفعال المعجزة لبعضهم !!. إن نبوءة المسيح الدجال تتعلق بفتنة لم ولن يوجد مثلها منذ خلق آدم إلى قيام الساعة ، ولو لم تكن شخصية المسيح الدجال على درجة كبيرة من الغموض والخفـاء والشبه غير المباشر بينها وبين ما ورد في الأحاديث لكان من السهل اكتشاف حقيقة تلك الشخصية وتجـاوز حالة الفتنة بأقل قدر من الصعوبة ، بل ولانقلب الأمر من فتنة كبرى إلى حافز إيماني عميق تكشف الأحاديث ملامحه وتفاصيله منذ البداية بصورة مدهشة . وهكذا فإن الاستدلالات العقلية ( مستوى الوعـي والمدارك ، عدم إجهاض موضوع الفتنة أو الاختبار والامتحان ) والنقلية ( عدم كشف الغيب ، التصوير المجازي في نبوءة قرن الشيطان وفي الكثير من صور الغيب الدنيوي ) تجعلنا ندرك بأن هذا التشديد لا يتناقض مع القول بوجود المضمون التقريبـي ، بل يعني أن الصورة الحقيقية لا بد أن تشتمل على معنى أو ملمح يجسد ويعكس ما تم التشديد عليه . وطالما كان الأمر كذلك فإنه مهما تم وصف المسيح الدجال بأنه رجل فإن مشروعية منهج الرمز والتشبيه تجعل ذلك الوصف قابلاً للتأويل ، مثلما أمكن تأويل الشمس والقمر والكواكب والبقرات والسنبلات وقرن الشيطان بأنهم والدان وإخوة وسنوات ومجموعات من البشر . ولنتذكر هنا أن الوصف التفصيلي لملامح المسيح الدجال مصدره رؤيا منامية رآها الرسول صلى الله عليه وسلم ، مثلما كان مصدر خبر الشمس والقمر والكواكب والبقرات والسنبلات رؤى منامية رآها يوسف عليه السلام وملك مصر . القضية الثانية التي يثيرها فهم نبوءة المسيح الدجال هي قضية الأدلة التي تقتضي الانتقال من المعنى اللغوي المباشر إلى المعنى المجازي . ذلك أنه لا يجوز أصلاً الانتقال إلى المعنى المجازي ما لم توجد أدلة تقتضي امتناع تحقق المعنى اللغوي المباشر . والواقع أنه ما كان ليدور بخلدنا صرف نبوءة المسيح الدجال عن معناها الظاهري إلى المعنى المجازي لو لم توجد أدلة شرعية وعقلية تمنع المعنى الظاهري . وحيث أن من يقبلون نصوص النبوءة يفهمونها فهماً لغوياً مباشراً فإنه يهمنا أن نبـدأ بنقد هذا الفهم . ولعل من المناسب أن تكون البداية مع خبر عجيب تحمله الأحاديث الواردة بشأن فتنة المسيح الدجال ، ومفاده أن الناس لن يكتشفوا المسيح الدجال ولن يعرفوه حتى أواخر فتنته . فهل يستقيم هذا الخبر مع الفهم اللغوي المباشر لنصوص النبوءة ؟!. رجل محدد الملامح وموصوف بشكل تفصيلي ، يأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت ، ويأمر كنوز الأرض فتتبعه ، ويحيي الآباء والأمهات ، ويركب حماراً بين أذنيه أربعين ذراعاً ، وتتغير في عهده حتى سنن دوران الأرض حول نفسها وحـول الشمس ( يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة .... ) ومكتوب بين عينيه كافر يقرؤها حتى الأمي الذي لا يجيد القراءة ، ورغم ذلك فإنه لا يكتشفه ولا يعرفه أحد !!. مجرد المعرفة لن تحدث !!. وحين يتم اكتشافه والاستشهاد عليه بأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم - هذا يعني أن الأحاديث موجودة وشائعة بين الناس - فإن الناس لا يصدقون هذا الاكتشاف . لماذا ؟!. هذه مفارقة ضخمة لا يفيد الفهم اللغوي المباشر في تفسيرها . أما بموجب الفهم التأويلي الذي نطرحه فإن هذه تعد مفارقة قابلة للتفسير والفهم ، فخفاء شخصية المسيح الدجال وعدم اكتشافها حتى أواخر فتنته يرجع إلى التصوير المجازي والتشبيهي الذي حملته النبوءة . الفهم اللغوي المباشر هو الذي يحول دون الاكتشاف والتعرف على شخصية الدجال . ونحن لا يساورنا شك في أنه لولا التصوير المجازي لما خفيت شخصية الدجال حتى على الأطفال وأبسط البسطاء وأقل الناس وعياً وتعليماً . وحتى إن خفي على هؤلاء فلن يخلو الزمان من أناس مطلعين على الأحاديث . وهؤلاء سيكتشفون شخصية الدجال على الفور أو على الأقل مع ظهور العجائب والتحولات الكونية . القائلون بالتفسير اللغوي المباشر لا يشعرون على نحو كاف بصعوبة وعدم منطقية ما يظنونه . وسنضرب مثالاً لإيضاح هذه المسألة . فلنفترض أن الأحاديث بدل أن تتحدث عن المسيح الدجال تحدثت عن الغرب بصورة مباشرة وواضحة !!. لو وجدنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أنه سيظهر من بلاد الفرنجة أو بني الأصفر تجربة نهضوية تعترف بمصدر وحيد للعلم والمعرفة وهو العقل وترفض الوحي وتضع بديلاً لفكرة الخالق وهي الطبيعة ، وأن هذا هو الفارق الجوهري بينها وبين كل التجارب النهضوية التي تعرف الطريق إلى الله عبر اعترافها بمصدرين للعلم والمعرفة هما العقل والوحي . هذه التجربة ستتخذ شكلاً ملفتاً جداً وجامعاً بين كل المتناقضات . خروجها على الدين سيكون ظاهراً وواضحاً لكل المؤمنين حتى وإن كانوا أميين . أبناء هذه التجربة ينتسبون إلى المسيحية ولكنهم خارجون عليها . ستظهر هذه التجربة بعد فتح القسطنطينية ، وستكون التجربة التي سيواجهها المسلمون بعد مواجهتهم للتجربة الرومانية . سيكون ظهورهـا عبر ثورة . سيكون اليهود أبرز أتباعها والمستفيدين منها من غير أبنائها ، وسيكون لهم نفوذ هائل في منطقة ممتدة عن بلاد الفرنجة . سيكون لهذه التجربة حضور عسكري مسلح يقهر المسلمين في منطقة قريبة من الشـام والعراق وشكلها يشبه الطريق أو المنفذ ( فلسطين ) . ستشكل هذه التجربة إغراء كبيراً للنساء وستؤدي إلى إحداث تغييرات هائلة في أوضاعهن . ستقدم من المكتشفات والمخترعات ما يسهل تسخير إمكانات الكون واستغلال موارد الأرض واستخراج المعادن من الصحاري والأودية والقفار . ستصل كل منتجاتها إلى كل الناس وتفتنهم وتغريهم وتبهرهم . وهذه المنتجات جميعاً تنتمي إلى حقلين متمايزين وواضحين ( العلوم والآداب ) أحدهما حقل صعب وصارم ومرهق ( العلوم ) والآخر سهل وجذاب ومغر ( الآداب ) فابتعدوا عن هذا الحقل السهل والجذاب ( حيث الفلسفات والادعاءات وأنماط الحياة والسلوك المبنية عليها ) واذهبوا إلى الحقل المرهق والجاف ( العلوم العلمية والتطبيقية ) . الذين سيقبلون هذه التجربة سيستفيدون وتتحسن أحوالهم والذين سيرفضونها ستسوء أوضاعهم . من بين الأشياء الفاتنة التي ستتاح للناس عن طريق هذه التجربة إمكانية سماع ورؤية الأموات عن طريق التصوير ، ومن وسائل النقل الفاتنة التي ستظهر مع هذه التجربة الطائرة وحاملة الطائرات . في زمن هذه التجربة سيتقارب الزمن بصورة متسارعة وعبر ما يشبه القفزات نتيجة التطور الهائل في وسائل النقل والاتصال وستشتد سرعة الانتقال في كل مكان على الأرض . أبناء هذه التجربة لن يطأوا مكة والمدينة ، ولكنهم سيطأون كل بقعة عداها ، إما استعماراً أو عملاً أو سياحة . لنفترض أننا وجدنا هذا الوصف الحي والمعاصر في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم . فما الذي يظنه أصحاب التفسير اللغوي المباشر ؟!. يظنون أنه رغم هذا الوصف الدقيق والمفصل الوارد في الأحاديث فإن الناس لن يعرفـوا التجربة الغربية ولن يكتشفوا أنها هي المقصودة بهذا الوصف الحي والعصري !!. ستخفى عليهم حقيقتها وإخبـار الرسول عنها رغم أن الأحاديث موجودة بينهم والأخبـار مبثوثة في كل كتب الحديث عبر مئات الروايـات ويستعيذون بالله من شرها في صلواتهم . سيعايشون هذه الصورة الدقيقة والحية والتفصيلية ويعيشون معها فتنة لم يشهد التاريخ لها مثيلاً دون أن يعرفوا أو يكتشفوا أن رسول الله أخبرهم عنها . لن يتم اكتشاف أمرهـا ولا العلم بأن الرسـول صلى الله عليه وسلم أخبرهم عنها إلا في أواخر فتنتها . وكيف سيحدث الاكتشاف ؟!. بمجرد الإشارة إلى الأحاديث ، والتأكيد بأن هذه هي التجربة النهضوية التي أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عنها . والعجيب أن الناس لن يصدقوا هذا الاكتشاف ، وسيشككون في سلامة عقيدة ومنهج من يقول به . هذا من جانب . ومن جانب آخر فإن أصحاب التفسير اللغوي المباشر يظنون أن هذا العرض الحي والعصري والمفصل للتجربة الغربية لا يجعل الناس عالمين بغيب هذه التجربة . سيظل أمرها غيباً لا يعلمه إلا الله . منذ أول ظهور لها لن يعرف الناس بقية التفاصيل المتتالية الواردة في الأحاديث رغم أنها موجودة بشكل تفصيلي . سيظل كل تحقق لوصف جديد أو ملمح جديد بمثابة حلقة في فتنة لا يعلم أحد عن أخبارها شيئاً . هذا بالضبط هو ما يظنه القائلون بالتفسير اللغوي المباشر . يظنون أن نبوءة المسيح الدجال ستتحقق كما هي تماماً بكل تفصيل من تفاصيلها ، ورغم ذلك فإن جميع الناس لن يعرفوا الدجال ولن يكتشفوه . سيتجسد أمامهم كل ملمح وكل وصف ومع ذلك ستعمى عيونهم ومداركهم عن معرفة كون هذا بالضبط هو ما ورد في الأحاديث وما يؤمنون به ويدافعون ويجادلون بشأنه . سيحتاج الأمر في أواخر الفتنة والخفاء إلى التأكيد لهم بأن هذا هو الدجال الذي أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم . سيحتاج الأمر إلى تأكيد ما يؤمنون به أصلاً . ورغم ذلك سيرفضون هذا التأكيد ويشكون في سلامة ومنهج من يقول به !!. هم يظنون أن الدجال سيتجسد على النحو الذي تدل عليه ألفاظ الأحاديث تماماً . وحين يتجسد لا يعرفه أحد أبداً ، وحين يقال لهم هذا هو الدجال الموصوف في الأحاديث يرون بأن هذا زيغ وضلال !!. هل يعقل هذا ؟!. هل يدل هذا على أن تجسد الدجـال سيكون كما تدل عليه المعاني اللغوية المباشرة للألفاظ ، أم يدل على أن في الأمر تشبيه وتقريب ، وأن هذا هو ما حال بين الناس وبين التعرف على الدجال ؟!. ومن جانب آخر فأصحاب التفسير اللغوي المباشر يظنون بأن الدجال سيتجسد على النحو الذي تدل عليه المعاني اللغوية المباشرة للألفاظ الواردة في الأحاديث ، ورغم ذلك فإن أمره يظل من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله . سيتجسد الدجال كما ورد في الأحاديث تماماً ورغم ذلك فإن الناس لا يعلمون غيب الدجال !!. الفهم اللغوي المباشر للنبوءة لا يفيد في تفسير طبيعة الفتنة التي لن تشهد الأرض لها مثيلاً ، فحين يأتي رجل أعور محدد الملامح بشكل تفصيلي وتحدث في عهده تحولات كونية ويكون مكتوبـاً بين عينيه كافر يقرؤها حتى الأمي ، ثم يطلع الناس على صورته التفصيلية وأخباره الحية معروضة في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، فهل يكون هذا مدعاة للغواية والشبهات وخفاء الدجال ، أم مدعاة لليقين والتصديق بصدق الرسالة وعلامة حاسمة من علامات النبوة ؟!. الأمر ليس فيه إكراه ، بل فيه شبهات وشهوات وقدرات . وبالتالي فحين يأتي رجل ويطرح ما شاء من الشبهات والشهـوات والقدرات ثم يجد المرء وصفاً تفصيلياً لكامل المشهد بمجرد بدء حدوثه ، فهل سيكون هذا مدعاة للشك والحيرة والخلط بين هذا الرجل وبين الله ، أم معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم تستبق أفعال الدجال وتخبر بها وتمكن المرء من معرفتها حتى قبل أن تحدث ؟!. إذا رأى المرء رجلاً أعور محدد الملامح على النحو التفصيلي الوارد في الأحاديث وشاهده يركب حماراً بين أذنيه أربعين ذراعاً ، فهل سيفتتن المرء بهذا الرجل وبحماره أم سيصدق بمن خلق هذا الرجل وهذا الحمار ووضع هذا المشهد بين أيدي الناس قبل حدوثه ؟!. لا شك أن هناك من يتبعون أي ناعق ويقعون في حبائل أهل الشعوذات والسحر والخرافات ، ولكن أن يصبح هذا الوضع الذي يصلح للبسطاء والمجموعات المنقطعة في إحدى بقاع الأرض وضعاً عالمياً يفتن المسلمين كما لم يفتنوا من قبل فهو وضع يفتقر إلى الكثير من المنطق ويصادم الفطرة السوية التي فطر الله الناس عليها . بالمثل سيأتي الدجال بجنتين أو نهرين أو واديين أو مـاء ونار . وطالما أنه ليس في الأمر إكراه وإجبار ، فما الذي سيدعو الناس إلى العزوف عن كل الحدائق والأنهار والأودية في بلاد الله والتحاشد على حديقتي الدجال أو وادييه أو نهريه ، بينما أبسطهم تعليماً يستطيع أن يقرأ هذه الصورة في الأحاديث وينذر عباد الله حتى لمجرد تنبيههم إلى أن هذا هو المسيح الدجال !!. أي أن الأمر سيدعوهم على الأقل إلى اكتشاف أمر الدجال . إلى معرفة الدجال !!. ذات الملاحظة يمكن أن تقال بشأن كل التفاصيل الواردة في النبوءة . ثم ماذا يمكن أن تمثل فتنة فرد خلال أربعين يوماً في مقابل الفتنة التي أحدثتها التجربة الغربية على مدى ثلاثة أو أربعة قرون وباستخدام إمكانات مجموعة من الأمم والشعوب ؟!. إن الفهم اللغوي المباشر لنبوءة المسيح الدجال يقتضي أن يكون ما سيقدمه هذا الرجل أكثر فتنة مما قدمته التجربة الغربية من العجائب والشبهات والشهوات . أليس هذا هو مقتضى كون فتنة المسيح الدجال هي أكبر فتنة تحدث في الأرض ؟!. الفهم اللغوي المباشر لنبوءة المسيح الدجال يقتضي اندثار بعض أهم التطورات التي شهدتها الحياة البشرية ، كوسائل النقل والاتصال وأدوات الحروب ، بحيث يعود الناس إلى الخيول والحمير والسيوف والرماح . وهذا شيء غير مستحيل عقلاً ومقبول شرعاً ، ولكن الجانب الذي لا يتنبه إليه الكثيرون هو أن اندثار التطورات الأساسية الحديثة سيقود إلى كارثة كبرى تحل بالبشر . ذلك أن الحياة في العصر الحديث لأكثر من ستة مليارات من البشر ليست ممكنة على الإطلاق لولا التطورات الأساسية الحديثة مثل وسائل النقل والاتصال والكهرباء . نستطيع أن نكتب مطولات حول هذا الأمر ونستدل بحقائق العلم والعقل ، ولكننا سنكتفي بعرض مثال مختصر يلخص الفكرة . لنبتعد عن القـارات والدول والمدن الكبرى ولنتحدث عن مدينة متوسطة الحجم كمدينة الرياض التي يعيش فيها حالياً نحو خمسة ملايين إنسان . إذ ما الذي يمكن توقع حدوثه لو أن وسائل النقل الحديثة اختفت واندثرت وعدنا إلى استخدام الجمال والحمير والخيول ؟. ببساطة ، ستتعطل الحياة وستصبح جحيماً لا يطاق خلال بضعة أيام . فإذا كان مقر عمل الإنسان يقع في أقصى شمال الرياض وهو يسكن في أقصى جنوبه فسيحتاج إلى نصف يوم للوصول إلى العمل على حماره أو جمله وسيحتاج إلى النصف الآخر للعودة . أي أن يومه بكامله سينقضي في الذهاب والمجيء دون أن يتمكن من أداء العمل . عمال البلدية الذين يجمعون المخلفات والبقايا من شوارع الرياض يومياً سيحتاجون إلى أسبوع أو شهر لجمع المخلفات والبقايا من حي واحد ونقلها على حميرهم وجمالهم إلى خارج النطاق العمراني لإتلافها . الطلاب والطالبات في المدارس والجامعات سينقضي وقتهم في الذهاب والمجيء . ثم أين هي الحمير والجمال التي ستكفي لتنقلات خمسة ملايين إنسان يعيشون في الرياض ؟!. سيحتاج الأمـر على الأقل إلى مليون جمل وحمـار ، وهذه الجمال والحمير ستملأ مخلفاتها الشوارع والأحياء وسيتطلب الأمر التخلص من هذه المخلفات يومياً !!. ستحتاج هذه الجمال والحمير إلى أعلاف تكفي لسد حاجتها يومياً ، وسيؤتى بالأعلاف من المناطق الزراعية خارج الرياض وسيتم نقلها على جمال وحمير أيضاً .... وهكذا . ماذا إن تحدثنا عن الكهرباء وما سيحل بالمستشفيات والمستودعات وأجهزة التبريد والتكييف والحاسبات والمطابع وكل الأجهزة التي تعتمد على الكهرباء ؟!. ماذا إن تحدثنا عن المياه التي تصل إلى الرياض على مدار الساعة من الساحل الشرقي بعد تحليتها من البحر ؟!. ماذا إن تحدثنا عن الهاتف والفاكس والإنترنت وكل أدوات الاتصال الحديثة ؟!. ماذا إن تحدثنا عن المواد الغذائية والطبية التي تؤمن حاجة خمسة ملايين إنسان وتصلهم يومياً عبر السفن والطائرات والقطارات والشاحنات ؟!. ماذا سيحل بأعمال الأجهزة الحكومية والشركات والمؤسسات ؟! مشكلة الفهم اللغوي المباشر للنبوءات أنه يجعل المسلم غير مكترث بالتطورات الأساسية الحديثة وغير مدرك لأهميتها وضرورتها لبقاء واستمرار الحياة ذاتها . وهانحن تحدثنا عن الرياض فقط ، فكيف لو تحدثنا عن الجزيرة العربية ثم العالم العربي ثم آسيا ثم العالم ؟!. كيف ستستمر حياة أكثر من ستة مليارات من البشر ؟!. المؤكد أن كارثة غذائية وصحية وبيئية وإدارية وتعليمية ستحل بالعالم خلال أيام معدودة لو اندثرت التطورات الأساسية الحديثة مثل وسائل النقل والاتصال والكهرباء . فلنفترض أن الكارثة قد حلت لا قدر الله ، وذهب معظم البشر ولم يبق سوى عدد محدود تكفي أساليب الحياة القديمة لبقائه على قيد الحياة ، ثم ظهر حينئذ الدجـال وأيضاً لم يعرفه الناس ولم يكتشفوه . حينها أيهما أعظم فتنة : ذلك الظهور للدجال بعد الكارثة وبين عدد محدود من البشر في ظل وسائل الحياة القديمة ، أم الحياة الموَّارة المليئة بالعجائب التي كانت موجودة قبل حدوث الكارثة وقبل اندثار التطورات الأساسية الحديثة ؟!. ألا تستحق التطورات التي غيرت وجه العالم تحت راية الإلحاد أو فصل الدين عن الحياة على مدى ثلاثة أو أربعة قرون أية إشارة في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ؟!. وألا تستحق الكارثة التي ستحل بالبشر إذا ما اندثرت التطورات الأساسية الحديثة أي إخبار من الرسول صلى الله عليه وسلم ؟!. هل ستكون أعجب العجائب وأعظم الفتن هي ظهور ذلك الرجـل الأعور خلال أربعـين يوماً بعد اندثار التطورات وحدوث الكارثة ؟!. ثم ألا يمكن تصور الدين إلا في ظل شكل الحياة البسيطة الذي كان سائداً قبل قرون ؟. ألا يصلح الدين للحياة الحديثة ؟!. إذا كان عيسى عليه السلام سيعود في ظل شكل الحياة القديم ( حياة الجمال والحمير والسيوف كما يدل عليه الفهم اللغوي المباشر للنبوءات ) وسيظهر المهدي قبله في ظل شكل الحياة القديم أيضاً ، وإذا كان لن يقوم للمسلمين قائمة قبل ذلك الظهور ، فهذا يعني أن كل التطورات الحديثة ظهرت وانتشرت وستندثر في وقت يكون فيه المسلمون في أسوأ أحوالهم وأوضاعهم . هذا يعني أن أصحاب الفهم اللغوي المباشر للنبوءات يؤكدون من جديد بأن الدين لا يناسب التطورات الحديثة ولن تقوم للمسلمين قائمة في ظل هذه التطورات ، وهذه والله قناعة غير صحيحة ومضرة بالدين وحجة بيد المجابهين له والمدعين بأنه لا يناسب العصر ولا يصلح له . وفضلاً عما سبق فإن الاستدلالات العقلية والمنطقية البسيطة تثبت أن الحياة لن تعود إلى شكلها الذي كان سائداً قبل ظهور التجربة الغربية إلا إذا كان ذلك لفترة بسيطة يتم فيها التعافي من آثار كارثة قد تحل بالأرض ، وسرعان ما يعاود الناس بعدها الانتقال نحو الحياة الحديثة . ذلك أن التطورات العلمية والتقنية انتقلت إلى حيز المعرفة الإنسانية بمجرد اكتشافها وأصبح ممكناً إعادة إنتاجها طالما أن المعرفة قد وجدت واستقرت . وهانحن شاهدنا كيف استطاعت ألمانيا التي دمرت في أواخر الحرب العالمية الثانية أن تعود وتسبق كل جيرانها الأوروبيين . لقد تمكنت من العودة بفضل الإنجازات العلمية والتقنية التي أصبحت معلومة ودخلت ضمن حيز المعرفة البشرية ، وبالتالي فمتى ما وجدت المهارة والاستعداد والتوجه نحو البناء فالمعطيات العلمية والمعرفية موجودة . وهكذا فإنه لا صحة للاعتقاد بأن التطورات الأساسية الحديثة ستندثر وتعود الحياة إلى سابق عهدها إلا إذا كان ذلك لفترة مؤقتة ريثما تتم استعادة القدرة على البناء وإعادة إنتاج المخترعات التي انتقلت معطياتها إلى حيز المعرفة البشرية ولم تعد من الأسرار . لننتقل إلى أهم ما في نبوءة المسيح الدجال ، وهي القدرات . فهذا الرجل الأعور سيحيي الموتى ويأمر السماء فتمطر ويأمر الأرض فتنبت ويمر بالخرائب فيقول لها أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها . سيأتي بجنة ونار ، ولكن الناس سيرون الجنة ناراً والنار جنة . سيمر بأهل الحي فيستجيبون له فتتحسن أحوالهم وأحوال مواشيهم ويمر بأهل الحي فيصدونه فتسوء أحوالهم . ستكون سرعته كالريح وسيطوي الأرض كطي الفروة وسيكون معه حماراً عجيباً بين أذنيه أربعين ذراعاً . وطالما أن سرعة الدجـال ستكون كالريح فيبدو أنه سيستخدم هذا الحمار للانتقال ، وهذا يعني أن سرعة الحمار ستكون كالريح . ولولا أنه لا يوجد في الأرض غير هذا الحمار لما ذكر في النبوءة . أي أن في الأمر معجزة جديدة أو كرامة جديدة بتغيير سنن خلق أحد الحمير دون غيره ليفتن به الدجال الناس ويضلهم عن سبيل الله !!. هذه المعجزات أعظم من كل المعجزات المادية التي أتى بها الأنبياء والرسل ، فمعجزات الدجال عامـة وعالمية ومتعددة . فماذا سيفعل بهذه المعجزات ؟!. سيستخدمها في إضـلال الناس وإغوائهم !!. والواقع أنه كان يمكن أن نفهم ونقبل الفهم اللغوي المباشر لهذه القدرات لو أن من سنن الله إعطاء المعجزات للدجال وأمثاله ، ولو أن من سنن الله تسخير المعجزات لإضلال الناس وإغوائهم . الفهم اللغوي المباشر هنا يصادم ويناقض حقائق الشرع ، فالقرآن الكريم صرح في آيات عديدة بأن سنن الله في الأمم السابقة لن تتبدل ولن تتغير . ومن أبرز سنن الله في الأمم السابقة ( الذين خلوا من قبل ) سنة تأييد الرسل والأنبياء والصالحين بالمعجزات وحجبها عن الكافرين ، وسنة جعل المعجزات أدوات للإرشاد إلى الخالق والدلالة عليه وترسيخ الإيمان به والانتصار للمؤمنين وليس جعلها أدوات لإضلال الناس وغوايتهم وصدهم عن الخالق ونصرة الكافرين . يقول تعالى ( سُنَّةَ مَنْ قَـدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا ) ([5]) ويقـول تعالى ( سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ) ([6]) ويقول تعالى ( ..... فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ) ([7]) ويقول تعالى ( سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ) ([8]) . هل أعطيت المعجزات لنوح أم لقومه ؟ لإبراهيم أم لقومه ؟ لهود وصالح أم لقومهما ؟ لفرعون وهامان وجنودهما أم لموسى ؟ لسليمان وداود أم للكافرين من قومهما ؟ لعيسى وأمه أم للكافرين بهما من اليهود ؟ لمحمد أم لأبي جهل وأبي لهب ؟. ماذا كانت وظيفة المعجزات طوال التاريخ ؟. هل هي تقديم الدلائل على الخالق أم تحديه والحلول محله ؟!. حين يظهر رجل ويدعي الألوهية فيعطيه الله معجزات عالمية عديدة وكبيرة ليستخدمها في إضـلال الناس وصدهم عن الخالـق فهذا قلب لسنن الله رأساً على عقب . فما الداعي لهذا الانقلاب ؟!. فقط لأننا نفسر نبوءة المسيح الدجـال تفسيراً قاموسياً ، بينما لو غيرنا طريقة التفسير لاختلف الموضـوع تماماً ولانسجم فهمنا مـع حقائق الشرع الراسخة حول المعجزات ووظيفتها . هل نحتج على المعجزات ووظيفتها بآيات القرآن الكريم وقصص الرسل والأنبياء والصالحين أم بقصة الدجـال ؟. هل المرجع في فهم المعجزات ووظيفتها هم الرسل والأنبياء والصالحون أم الدجال ؟!. هل وصل أمر الفتنة إلى حد حدوث هذا الخلط في فهم بعض الحقائق الثابتة في القرآن الكريم عن المعجزات ووظيفتها ؟!. لا معجزات لدى المسيح الدجال بحسب الفهم التأويلي ، فالأمر مجرد تشبيه للمكتشفات والمخترعات بالمعجزات . هذه المخترعات والمكتشفات من حيث غرابتها وقوة تأثيرها وفعلها تشبه المعجزات ، أما من الناحية الموضوعية فهي نقيض المعجزات ، إذ أنه لا خرق فيها للسنن كما هو الحال في المعجزات ، بل فيها تقيد شديد بالسنن وبراعة شديدة في اكتشافها واستخدامها . وفتنة الدجال تحدث من هذا الالتباس واختلاط الأمور وسوء الفهم . دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس سيتغير . وهذا أمر ليس مستحيلاً ، ولكنه إن تغير على النحو الفجائي والتفصيلي الذي يدل عليه التفسير اللغوي المباشر فستحدث كارثة بشرية هائلة في أول يوم . يوم كسنة ، ويوم كشهر ، ويوم كجمعة ، وباقي الأيام كأيامنا !!. فما الذي سيحل بالحياة والأحياء على وجه الأرض لو استمر أحد الأيام لمدة سنة ؟!. ماذا تقول حقائق العلم لو استمر أحد الأيام لمدة سنة كاملة ؟!. ماذا سيحدث لنصف الكرة الأرضية الذي سيستمر فيه النهار عاماً كاملاً ، وماذا سيحدث لنصف الكرة الذي سيستمر فيه الليل عاماً كاملاً ؟!. ماذا لو استمرت شمس الصيف اللاهبة في الجزيرة العربية لمدة أسبوع واحد ، خصوصاً وأن التفسير اللغوي المباشر للنبوءة يفترض اندثار التطورات بما فيها أجهزة التكييف والتبريد ؟!. ماذا سيحل بالنباتات والمياه والحيوانات والناس تحت الشمس دون كهرباء أو وسائل نقل واتصال حديثة لمدة عـام ؟. وماذا سيحل بهم في الظلام دون كهرباء أو وسائل نقل واتصال لمدة عـام ؟!. هـل هذه مؤشرات فتنة قوامها الشبهات والشهوات والإغراء والإغـواء ، أم مؤشرات كارثة كونية لن تبقي ولن تـذر ؟!. والمفارقة أنه رغم هذا التحول الكوني الهائل فإن الناس لن يعرفوا الدجـال ولن يكتشفوه ، وسيرفضون التصديق بوجـوده حين يقال لهم إنه موجود !!. مكتوب بين عيني الدجال " كافـر " يقرؤها كل مؤمن سواء كان متعلماً أو أمياً !!. هنا معلومة لا تصح منطقياً ، فالأمي هو بالتعريف من لا يقرأ ، مثلما أن الأعمى لا يرى والأصم لا يسمع . فهل ستنقلب حتى قواعد وبدهيات المنطق ؟!. الأمر كما نفهمه بموجب التأويل ليس أمر قراءة ، فالأمي لا يقرأ ، بل المقصود هو تأكيد وضوح وظهور وافتضاح كفر الدجال لكل الناس ، سواء كانوا متعلمين أو أميين . ثم كيف تكون هذه الكتابة بين العينين ؟. كم تبلغ المساحة بين العينين لكي تستوعب الكتابـة ؟. وبأية لغة ستكون الكتابة ؟. بلغة واحـدة أم بكل لغات الأرض ؟!. وإذا كان الخطاب موجهاً للمؤمنين ، فكم عدد اللغات التي يتحدثون بها في عصرنا ؟!. هل سيظهر الدجال في زمن يتوحد فيه المسلمون في إطـار لغة واحدة وهم الذين لم ينجحوا في ذلك قبل الفتنة ؟!. وحتى لو توحدوا فإن السؤال المنطقي لازال مطروحاً ، وهو : كيف يقرأ الأمي ؟!. مع الدجال ماء ونار أو جنتين أو واديين أو نهرين أو كمثال الجنة والنار . لماذا هذا التعدد في الوصف ؟. هل هي ماء ونار ، أم جنتين أم واديين أم نهرين أم أنهما كمثال الجنة والنار ؟!. ألا يدل التعدد في الوصف على أن في الأمر تشبيه ؟. وكلمة " كمثال " الجنة والنار ، ألا تدل مباشرة على التشبيه ؟!. ورغم ذلك فسواء تعلق الأمر بجنتين أو واديين أو نهرين فهو في النهاية يدور أيضاً حول المعجزات . وهذه بموجب قواعد الشرع وسيرة كل الأنبياء والرسل والصالحين لا تعطى لأهل الكفر ولا تسخر لإضلال الناس وإغوائهم . وإن لم يكن في الأمر معجزات فكيف سيصل الدجال بهذين النهرين أو الواديين إلى جميع الناس ويفتنهم بهما ؟. هل سيحملهما معه ؟. وكيف يحمل النهر أو الوادي ؟!. هل سيحمل النهرين أو الواديين ويدخل بهما من بلد إلى بلد ويتخطى الحدود وسلطات الدول وحواجز البحار والمحيطات ويدور بالنهرين أو الواديين على كل مدينة وقرية ليصل إلى مليارات البشر ويفتنهم خلال أربعين يوماً ؟!. بدون المعجزات لن يحمل الدجال نهراً ولا وادياً . وإذا كان لن يحملهما ويطوف بهما فإن البديل هو أن يأتي الناس إليه ليدخلوا أحد النهرين أو الواديين . فأين سيكون مقر هذين الواديين أو النهرين ؟!. الأحاديث لا تثبت مقراً للدجال . إنها تشير إلى أماكن خروجه فقط ، أما بعد خروجه فإنه سيكون طوافاً يطأ كل مكان في الأرض ويطوي الأرض كطي الفروة ، وهذا يعيدنا من جديد إلى حكاية انتقال النهرين أو الواديين معه في طوافه بالأرض . أي يعيدنا إلى قضية المعجزات !!. 19]). وإيمان أهـل الكتاب به قبل موته لا يكون إلا بعد عودته |
مشاركة: فتنت الغرب أعظم فتنه شهدها العالم بصراحة نظريتك للموضوع بهذه الصورة الواضحة من جميع الاركان والزوايا مدهشة فهل هي مدهشة |
مشاركة: فتنت الغرب أعظم فتنه شهدها العالم ابداع الله يبارك فيك والي الامام يابطل تقبل مروري |
مشاركة: فتنت الغرب أعظم فتنه شهدها العالم جزاك الله خير ياخوي سلمت يمناك على الشرح تقبل مروري أخوك:عزوتي جهينة |
مشاركة: فتنت الغرب أعظم فتنه شهدها العالم جزاك الله الف خير |
مشاركة: فتنت الغرب أعظم فتنه شهدها العالم جزاك الله الف خير |
مشاركة: فتنت الغرب أعظم فتنه شهدها العالم البيرق85 جهد مبارك والله يعطيك العافية الله المستعان |
مشاركة: فتنت الغرب أعظم فتنه شهدها العالم سلمت يداك مجهود رائع فى انتظار المزيد |
| الساعة الآن 05:51 صباحاً. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd.
TranZ By World 4Arab